واتفقوا على تشهير أمر النكاح وتمييزه عن السفاح على رءوس الأشهاد ، ثم اختلفوا في الصور ، فاختار بعضهم الشهود والإيجاب والقبول والوليمة ، وبعضهم الدف والغناء ولبس ثياب فاخرة لا تلبس إلا في الولائم الكبيرة ، واتفقوا على زجر الزنا والسراق ثم اختلفوا ، فاختار بعضهم الرجم وقطع اليد ، وبعضهم الضرب والأليم والحبس الوجيع والغرامات المنهكة ، ولا يصدنك أيضا مخالفة طائفتين ، أحدهما البلة الملتحقون بالبهائم ممن لا يشك الجمهور أن أمزجتهم ناقصة وعقولهم مخدجة ، وصاروا يستدلون على بلاهتهم بما يرون من عدم تقييدهم أنفسهم بتلك القيود ، والثانية الفجار الذين لو نقح ما في قلوبهم ظهر أنهم يعتقدون الارتفاقات لكن تغلب عليهم الشهوات ، فيعصونها شاهدين على أنفسهم بالفجور ، ويزنون ببنات الناس وأخواتهم ، ولو زني ببناتهم وأخواتهم كادوا يتميزون من الغيظ ، ويعلمون قطعا أن الناس يصيبهم ما أصاب أولاء ، وإن إصابة هذه الأمور مخلة بانتظام المدينة لكن يعميهم الهوى ، وكذلك الكلام في السرقة والغصب وغيرهما ، ولا ينبغي أن يظن أنهم اتفقوا على ذلك من غير شيء بمنزلة الاتفاق على أن يتغذى بطعام واحد أهل المشارق والمغارب كلهم وهل سفسطه أشد من ذلك ؟ بل الفطرة السليمة حاكمة بأن الناس لم يتفقوا عليها مع اختلاف أمزجتهم وتباعد بلدانهم وتشتت مذاهبهم وأديانهم إلا لمناسبة فطرية متشعبة من الصورة النوعية ، ومن حاجات كثيرة الوقوع يتوارد عليها أفراد النوع ، ومن أخلاق توجبها الصحة النوعية في أمزجة الأفراد ، ولو أن إنسانا نشأ ببادية نائية عن البلدان ، ولم يتعلم من أحد رسما كان له لا جرم حاجات من الجوع والعطش والغلمة ، واشتاق لا محالة إلى امرأة ، ولا بد عند صحة مزاجهما أن يتولد بينهما أولاد ، ويضم أهل أبيات ، وينشأ فيهم معاملات ، فينتظم الارتفاق الأول عن آخره ، ثم إذا كثروا لا بد