فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 863

الخضوع والاخبات ، وأسباب السماحة التمرن على السخاوة والبذل والعفو عمن ظلم ومؤاخذة نفسه بالصبر عند المكاره ونحو ذلك ، وأسباب العدالة المحافظة على السنة الراشدة بتفاصيلها والله أعلم . ( باب الحجب المانعة عن ظهور الفطرة ) اعلم أن معظم الحجب ثلاثة: حجاب الطبع ، وحجاب الرسم ، وحجاب سوء المعرفة ، وذلك لأنه ركب في الإنسان دواعي الأكل والشرب والنكاح ، وجعل قلبه مطية للأحوال الطبيعية كالحزن والنشاط والغضب والوجل وغيرها ، فلا يزال مشغولا بها ، إذ كل حالة يتقدمها توجه النفس إلى أسبابها وانقياد القوى العلمية لما يناسبها ، ويجتمع معها استغراق النفس فيها وذهولها عما سواها ، ويتخلف عنها بقية ظلها ووضر لونها ، فتمر الأيام والليالي ، وهو على ذلك لا يتفرغ لتحصيل غيرها من الكمال ، ورب إنسان ارتطمت قدماه في هذا الوحل ، فلم يخرج منه طول عمره ، ورب إنسان غلب عليه حكم الطبع ، فخلع رقبته عن رقبة الرسم والعقل ، ولم ينزجر بالملامة ، وهذا الحجاب يسمى بالنفس ، لكن من تم عقله ، وتوفر تيقظه يختطف من أوقاته فرصا يركد فيها أحوال الطبيعة ، ويتسع نفسه لهذه الأحوال وغيرها ، ويستوجب لفيضان علوم أخرى غير استيفاء مقتضيات الطبع ، ويشتاق إلى الكمال النوعي بحسب القوتين العاقلة والعاملة ؛ فإذا فتح حدقة بصيرته أبصر في أول الأمر قومه في ارتفاقات وزي ومباهات وفضائل من الفصاحات والصناعات ، فوقعت من قلبه بموقع عظيم ، واستقبلها بعزيمة كاملة وهمة قوية ، وهذا حجاب الرسم ويسمى بالدنيا . ومن الناس من لا يزال مستغرقا في ذلك إلى أن يأتيه الموت ، فتزول تلك الفضائل بأسرها ، لأنها لا تتم إلا بالبدن والآلات ، فتبقى النفس عارية

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت