( من أبواب ابتغاء الرزق ) اعلم أن الله تعالى لما خلق الخلق ، وجعل معايشهم في الأرض ، وأباح لهم الانتفاع بما فيها وقعت بينهم المشاحة والمشاجرة . فكان حكم الله عند ذلك تحريم أن يزاحم الإنسان صاحبه فيما اختص به لسبق يده إليه . أو يد مورثه . أو لوجه من الوجوه المعتبرة عندهم إلا بمبادلة أو تراض معتمد على علم من غير تدليس وركوب غرر ، وأيضا لما كان الناس مدنيين بالطبع لا تستقيم معايشهم إلا بتعاون بينهم نزل القضاء بإيجاب التعاون ، وألا يخلو أحد منهم مما له دخل في التمدن إلا عند حاجة لا يجد منها بدا ، وأيضا فأصل التسبب حيازة الأموال المباحة أو استنماء ما اختص به مما يستمد من الأموال المباحة كالتناسل بالرعي ، والزراعة بإصلاح الأرض وسقي الماء ، ويشترط في ذلك ألا يضيق بعضهم على بعض بحيث يفضي إلى فساد التمدن ، ثم الاستنماء في أموال الناس بمعونة في المعاش يتعذر أو يتعسر اسقامة حال المدينة بدونها كالذي يجلب التجارة من بلد إلى بلد ، ويعتني إلى حفظ الجلب إلى أجل معلوم أو يسمسر بسعي وعمل ، أو يصلح مال الناس بإيجاد صفة مرضية فيه وأمثال ذلك ، فإن كان الاستنماء فيها بما ليس له دخل في التعاون كالميسر ، أو بما هو تراض يشبه الاقتضاب كالربا ، فإن المفلس يضطر إلى التزام ما لا يقدر على إيفائه ، وليس رضاه رضا في الحقيقة ، فليس من العقود المرضية ولا الأسباب الصالحة ، وإنما هو باطل وسحت بأصل الحكمة المدنية . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
' من أحيا أرضا ميتة فهي له ' . أقول الأصل فيه ما أو مأنا أن الكل مال الله ، وليس فيه حق لأحد في الحقيقة ، لكن الله تعالى لما أباح لهم الانتفاع بالأرض وما فيها وقعت