وكما أن لله تعالى في الدنيا أفعالا خارقة وأفعالا جارية على العادة ، فكذلك في المعاد أفعال خارقة وعادية ، أما العادة المستمرة فإن يعاقب العاصي إذا مات من غير توبة زمانا طويلا ، وقد تخرق العادة وكذلك حال حقوق العباد ، وأما خلود صاحب الكبيرة في العذاب ، فليس بصحيح وليس من حكمة الله أن يفعل بصاحب الكبيرة مثل ما يفعل يا الكافر سواء والله أعلم . ( باب في المعاصي التي هي فيما بينه وبين نفسه ) اعلم أن القوة الملكية من الإنسان اكتنفت بها القوة البهيمية من جوانبها ، وإنما مثلها في ذلك مثل طائر في قفص ، سعادته أن يخرج من هذا القفص ، فيلحق بحيزه الأصلي من الرياض الأريضة ، ويأكل الحبوب الغاذية والفواكه اللذيذة من هنالك ، ويدخل في زمرة أبناء نوعه ، فيبتهج بهم كل الابتهاج ، فأشد شقاوة الإنسان أن يكون دهريا ، وحقيقة الدهري أن يكون مناقضا للعلوم الفطرية المخلوقة فيه ، وقد بينا أن له ميلا في أصل فطرته إلى المبدأ جل جلاله ، وميلا إلى تعظيمه أشد ما يجد من التعظيم ، وإليه الإشارة في قوله تبارك وتعالى: ! ( وإذ أخذ ربك من بني آدم ) ! الآية وقوله صلى الله عليه وسلم: ' كل مولود يولد على الفطرة ' والتعظيم الأقصى لا يتمكن من نفسه إلا باعتقاد تصرف في بارئه بالقصد والاختيار ومجازاة وتكليف لهم وتشريع عليهم ، فمن أنكر أن له ربا تنتهي إليه سلسلة الوجود ، أو اعتقد ربا معطلا لا يتصرف في العالم أو يتصرف في بالإيجاب من غير إرادة أو لا يجازى عباده على ما يفعلون من خير وشر ، أو أعتقد