وبالجملة فالإحاطة واستقصاء وجوه الخير كالمحال في حق الأكثرين ، والجهل البسيط غير الضار ، والله أعلم . ( باب الأصول التي يرجع إليها تحصيل الطريقة الثانية ) اعلم أن طرق تحصيل السعادة على الوجه الثاني كثيرة جدا غير أني فهمني الله تعالى بفضله أن مرجعها إلى خصال أربع تتلبس بها البهيمية متى غطتها النفس النطقية ، وقسرتها على ما يناسبها ، وهي أشبه حالات الإنسان بصفة الملأ الأعلى معدة للحوقة بهم ، وانخراطه في سلكهم ، وفهمني أنه إنما بعث الأنبياء للدعوة إليها والحث عليها وأن الشرائع تفصيل لها وراجعة إليها . أحدها: الطهارة ، وحقيقتها أن الإنسان عند سلامة فطرته وصحة مزاجه وتفرع قلبه من الأحوال السلفية الشاغلة له عن التدبير إذا تلطخ بالنجاسات ، وكان حاقبا حاقنا قريب العهد من الجماع ودواعيه ، انقبضت نفسه ، وأصابه ضيق وحزن ، ووجد نفسه في غاشية عظيمة ، ثم إذا تخفف عن الأخبثين ، ودلك بدنه ، واغتسل ولبس أحسن ثيابه ، وتطيب اندفع عنه ذلك الانقباض ، ووجد مكانه انشراحا وسرورا وانبساطا كل ذلك لا لمراءاة الناس والحفظ على رسومه ، بل لحكم النفس النطقية فقط ، فالحالة الأولى تسمى حدثا ، والثانية الطهارة ، والذكي من الناس ، والذي يرى منه سلامة أحكام النوع وتمكين المادة لأحكام الصورة النوعية يعرف الحالتين متميزة كل واحدة من الأخرى ، ويحب إحداهما ، ويبغض الأخرى لطبيعته ، والغبي منهم إذا أضعف شيئا من البهيمية ، ولج بالطهارات والتبتل ، وتفرغ لمعرفتها ، لا بد يعرفهما ويميز كل واحدة من الأخرى ، والطهارة أشبه الصفات النسمية بحالات الملأ الأعلى في تجردها عن الألواث البهيمية ، وابتهاجها بما عندها من النور ، ولذلك كانت معدة لتلبس النفس