( أحكام الصوم ) قال النبي صلى الله عليه وسلم ' لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم ، فاقدروا له - وفي رواية - فأكملوا العدة ثلاثين ' أقول: لما كان وقت الصوم مضبوطا بالشهر القمري باعتبار رؤية الهلال ، وهو تارة ثلاثون يوما ، وتارة تسع وعشرون ، وجب في صورة الاشتباه أن يرجع إلى هذا الأصل وأيضا مبنى الشرائع على الأمور الظاهرة عند اميين دون التعمق والمحاسبات النجومية ، بل الشريعة واردة بإخمال ذكرها ، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ' إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب ' وقوله صلى الله عليه وسلم ' شهرا عيد لا ينقصان رمضان وذو الحجة ' قيل لا ينقصان معا ، وقيل: لا يتفاوت اجر ثلاثين وتسعة وعشرين ، وهذا الأخير أقعد بقواعد التشريع كأنه أراد سد أن يخطر في قلب أحد ذلك . واعلم أن من المقاصد المهمة في باب الصوم سد ذرائع التعمق ، ورد ما أحدثه فيه المتعمقون ، فإن هذه الطاعة كانت شائعة في اليهود . والنصارى ومتحنثي العرب ، ولما رأوا أن أصل الصوم هو قهر النفس تعمقوا ، وابتدعوا أشياء فيها زيادة القهر ، وفي ذلك تحريف دين الله ، وهو إما بزيادة الكم أو الكيف . فمن الكم قوله صلى الله عليه وسلم ' لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم أو يومين إلا أن يكون رجلا كان يصوم يوما فليصم ذلك اليوم ' ونهيه عن صوم يوم الفطر . ويوم الشك ، وذلك لأنه ليس بين هذه وبين رمضان فصل ، فلعله إن أخذ ذلك المتعمقون سنة فيدركه منهم الطبقة الأخرى وهلم جرا يكون تحريفا ، وأصل التعمق أن يؤخذ موضع الاحتياط لازما ، ومنه يوم الشك .