وعلى هذا ينبغي أن يخرج قوله صلى الله عليه وسلم: ' رفع القلم عن ثلاثة ' الحديث والله أعلم . ( باب إقامة الارتفاقات واصلاح الرسوم ) قد ذكرنا فيما سبق تصريحا أو تلويحا أن الارتفاق الثاني والثالث مما جبل عليه البشر ، وامتازوا به عن سائر أنواع الحيوان ، محال أن يتركوهما ، أو يهملوهما ، وأنهم يحتاجون في كثير من ذلك إلى حكيم عالم بالحاجة وطريق الارتفاق منها ، منقاد للمصلحة الكلية إما مستنبط بالفكر والروية أو يكون نفسه قد جبلت فيها قوة ملكية ، فيكون مهيئا لنزول علوم من الملأ الأعلى ، وهذا أتم الأمرين وأوثق الوجهين ، وأن الرسوم من الارتفاقات هي بمنزلة القلب من الجسد ، وأنه قد يدخل في الرسوم مفاسد من جهة ترأس قوم ليس عندهم مسكة العقل الكلي فيخرجون إلى أعمال سبعية أو شهوية أو شيطانية ، فيروجونها ، فيقتدي بهم أكثر الناس ، ومن جهة أخرى نحو ذلك ، فتمس الحاجة إلى رجل قوي مؤيد من الغيب منقاد للمصلحة الكلية ، ليغير رسومهم إلى الحق بتدبير لا يهتدي له في الأكثر إلا المؤيدون من روح القدس . فإن كنت قد أحطت علما بما هنالك فاعلم أن أصل بعثة الأنبياء وإن كان لتعليم وجوه العبادات أولا وبالذات ، لكنه قد تنضم مع ذلك إرادة إخمال الرسوم الفاسدة والحث على وجوه من الارتفاقات ، وذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ' بعثت لمحق المعازف ' . وقوله صلى الله عليه وسلم: ' بعثت لأتمم مكارم الأخلاق ' .