ومنهم من ذهب إلى هذا بفرض الصور المستبعدة التي من حقها ألا يتعرض لها عاقل وبفحص العمومات والايماآت من كلام المخرجين فمن دونهم مما لا يرتضى استماعه عالم ولا جاهل . وفتنة هذا الجدل والخلاف والتعمق قريبة من الفتنة الأولى حين تشاجروا في الملك ، وانتصر كل رجل لصاحبه ، فكما أعقبت تلك ملكا عضوضا ووقائع صماء عمياء ، فكذلك أعقبت هذه جهلا واختلاطا وشكوكا ووهما ما لها من أرجاء ، فنشأت بعدهم قرون على التقليد الصرف لا يميزون الحق من الباطل ولا الجدل عن الاستنباط . . ، فالفقيه يومئذ هو الثرثار المتشدق الذي حفظ أقوال الفقهاء قويها وضعيفها من غير تمييز وسردها بشقشقة شدقية . . . ، والمحدث من عد الأحاديث صحيحها وسقيمها وهذها كهذ الأسمار بقوة لحيية ، ولا أقول ذلك كليا مطردا فإن لله طائفة من عباده لا يضرهم من خذلهم ، وهم حجة الله في أرضه ، وإن قلوا ، ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنة وأوفر تقليدا وأشد انتزاعا للامانة من صدور الرجال حتى اطمأنوا بترك الخوض في أمر الدين وبأن - يقولوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم متقدون - وإلى الله المشتكى وهو المستعان وبه الثقة وعليه التكلان . ( فصل ) ومما يناسب هذا المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الافهام وزلت الأقدام ، وطغت الأقلام .