الأولى من مذهب الشافعي وأبي حنيفة رحمه الله ، فترك الناس الكلام وفنون العلم ، وأقبلوا على المسائل الخلافية بين الشافعي وأبي حنيفة رحمه الله على الخصوص ، وتساهلوا في الخلاف مع مالك وسفيان وأحمد بن حنبل وغيرهم ، وزعموا أن غرضهم استنباط دقائق الشرع وتقدير علل المذهب وتمهيد أصول الفتاوى ، وأكثروا فيها التصانيف والاستنباطات ، ورتبوا فيها أنواع المجادلات والتصنيفات وهم مستمرون عليه إلى الآن لسنا ندري ما الذي قدر الله تعالى فيما بعدها من الأعصار انتهى حاصله . ومنها أنهم اطمأنوا بالتقليد ، ودب التقليد في صدورهم دبيب النمل وهم لا يشعرون ، وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم فانهم لما وقعت فيهم المزاحمة في الفتوى كان كل من أفتى بشيء نوقض في فتواه ، ورد عليه ، فلم ينقطع الكلام إلا بميسر إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة . وأيضا جور القضاة فان القضاة لما جار أكثرهم ، ولم يكونوا أمناء لم يقبل منهم إلا ما يريب العامة فيه ، ويكون شيئا قد قيل من قبل . وأيضا جهل رءوس الناس واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث ، ولا بطريق التخريج كما ترى ذلك ظاهرا في أكثر المتأخرين ، وقد نبه عليه ابن الهمام وغيره ، وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيها . ومنها أن أقبل أكثرهم على التعمقات في كل فن ، فمنهم من زعم أنه يؤسس علم أسماء الرجال ومعرفة مراتب الجرح والتعديل ، ثم خرج من ذلك إلى التاريخ قديمه وحديثه . . ، ومنهم من تفحص عن نوادر الأخبار وغرائبها وإن دخلت في حد الموضوع . . . ، ومنهم من كثر القيل والقال في أصول الفقه ، واستنبط كل لأصحابة قواعد جدلية ، فأورد ، فاستقصى ، وأجاب ، وتفصى ، وعرف ، وقسم ، فحور طول الكلام تارة وتارة أخرى اختصر . ،