أما التدبير العملي ، فالعمدة فيه التلبس بهيآت وأفعال وأشياء تذكر النفس الخصلة المطلوبة ، وتنبهها لها ، وتهيجها إليها ، وتحثها عليها إما لتلازم عادة بينها وبين الخصلة ، أو لكونها مظنة لها بحكم المناسبة الجبلية ، فكما أن الإنسان إذا أراد أن ينبه نفسه للغضب ، ويحضره بين عينيه يتخيل الشتم الذي تفوه به المغضوب عليه ، والذي يلحقه من العار ونحو ذلك ، والنائحة إذا أرادت أن تجدد عهدها بالفجع تذكر نفسها محاسن الميت ، وتتخيلها ، وتبعث من خواطرها الخيل والرجل إليها ، والذي يريد الجماع ، يتمسك بداوعيه ، ونظائر هذا الباب كثيرة جدا لا تعصى على من يريد الإحاطة بجوانب الكلام ، فكذلك لكل واحدة من هذه الخصال أسباب تكتسب بها ، والاعتماد في معرفة تلك الأمور على ذوق أهل الأذواق السليمة ، فأسباب الحدث امتلاء القلب بحالة سفلية ، كقضاء الشهوة من النساء جماعا ومباشرة ، وإضماره مخالفة الحق وإحاطة لهن الملأ الأعلى به ، وكونه حاقبا حاقنا ، وقرب العهد بالبول والغائط والريح ، وهذه الثلاثة فضول المعدة ، وتوسخ البدن والبخر واجتماع المخاط ونبات الشعر على العانة والابط وتلطخ الثوب والبدن بالنجاسات المستقذرة ، وامتلاء الحواس بصورة تذكر الحالة السفلية كالقاذورات والنظر إلى الفرج ومسافدة الحيوانات والنظر الممعن في الجماع والطعن في الملائكة والصالحين والسعي في إيذاء الناس ، وأسباب الطهارة إزالة هذه الأشياء واكتساب أضدادها واستعمال ما تقرر في العادات كونه نظافة بالغه كالغسل والوضوء ولبس أحسن الثياب واستعمال الطيب ، فإن استعمال هذه الأشياء تنبه النفس على صفة الطهارة ، وأسباب الإخبات مؤاخذة نفسه بما هو أعلى حالات التعظيم عنده من القيام مطرقا والسجود والنطق بألفاظ دالة على المناجاة والتذلل لديه ورفع الحاجات إليه ، فإن هذه الأمور تنبه النفس تنبيها قويا على صفة