وأن يكبح ظالمهم عن الظلم ، وأن يصلح ارتفاقاتهم وتدبير منزلهم وسياسة مدينتهم ، فالمدن الفاسدة التي يغلب عليها نفوس السبعية ، ويكون لهم تمنع شديد إنما هو بمنزلة الأكلة في بدن الإنسان لا يصح الإنسان إلا بقطعه ، والذي يتوجه إلى إصلاح مزاجه وإقامة طبيعته لا بد له من القطع ، والشر القليل إذا كان مفضيا إلى الخير الكثير واجب فعله ، ولك عبدة بقريش ومن حولهم من العرب كانوا بعد خلق الله عن الاحسان وأظلمهم على الضعفاء ، وكانت بينهم مقاتلات شديدة ، وكان بعضهم يأسر بعضا ، وما كان أكثرهم متأملين في الحجة ناظرين في الدليل فجاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم ' وقتل أشدهم بطشا وأحدهم نفسا حتى ظهر أمر الله ، وانقادوا له ، فصاروا بعد ذلك من أهل الإحسان ، واستقامت أمورهم ، فلو لم يكن في الشريعة جهاد أولئك لم يحصل اللطف في حقهم . وأيضا فإن الله تعالى غضب على العرب والعجم ، وقضى بزوال دولتهم وكبت ملكهم ، فنفث في روع رسول الله صلى الله عليه وسلم وبواسطته في قلوب أصحابه رضي الله عنهم أن يقاتلوا في سبيل الله ؛ ليحصل الأمر المطلوب ، فصاروا في ذلك بمنزلة الملائكة تسعى في إتمام ما أمر الله تعالى ، غير أن الملائكة تسعى من غير أن يعقد فيهم قاعدة كلية ، والمسلمون يقاتلون لأجل قاعدة كلية علمهم الله تعالى ، وكان علمهم ذلك أعظم الأعمال ، وصار القتل لا يسند إليهم إنما يسند إلى الآمر ، كما يسند قتل العاصي إلى الأمير دون السياف ، وهو قوله تعالى: ! ( فلم تقتلوهم ولكن الله قتلهم ) ! .