واعلم أن الأمور التي تشبك بالسعادة الحقيقية على قسمين: قسم هو من باب ظهور فيض النفس النطقية في المعاش بحكم الجبلة ، ولا يمكن أن يحصل الخلق المطلوب بهذا القسم ، بل ربما يكون الغوص في تلك الأفعال بزينتها لا سيما بفكر جزئي كما هو شأن الناقص ضد الكمال المطلوب ، كالذي يقصد تحصيل الشجاعة بإثارة الغضب والمصارعة ونحو ذلك ، أو الفصاحة بمعرفة أشعار العرب وخطبهم ، والأخلاق لا تظهر إلى عند مزاحمات من نبي النوع ، والارتفاقات لا تقتنص الابحاجات طارئه ، والصنائع لا تتم إلا بآلات ومادة ، وهذه كلها منقضية بانقضاء الحياة الدنيا ، فإن مات الناقص في تلك الحالة ، وكان سمجا بقي عاريا عن الكمال وإن لزق بنفسه صور هذه العلاقات كان الضرر عليه أشد من النفع ، وقسم إنما روحه هيئة إذعان البهيمية للملكية بأن تتصرف حسب وحيها ، وتنصبغ بصبغها ، وتمنع الملكية منها بألا تقبل ألوانها الدنية ، ولا تنطبع فيها نقوشها الخسيسة ، كما تنطبع نقوش الخاتم في الشمعة ، ولا سبيل إلى ذلك إلا أن تقتضي الملكية شيئا من ذاتها ، وتوحيه إلى البهيمية ، وتقترحه عليها ، ومتنقاد لها ، ولا تبغي عليها ، ولا تتمنع منها ، ثم تقتضي أيضا ، فتنقاد هذه أيضا ، ثم ، وثم حتى تعتاد ذلك ؛ وتتمرن ، وهذه الأشياء التي تقتضيها هذه من ذاتها وتقسر عليها تلك على رغم أنفها إنما يكون من جنس ما فيه انشراح لهذه وانقباض لتلك ، وذلك كالتشبه بالملكوت ، والتطلع للجبروت ، فإنها خاصة الملكية بعيدة عنها البهيمية غاية البعد ، أو يترك ما تقتضيه البهيمية ، وتستلذه ، وتشتاق إليه في غلوائها . وهذا القسم يسمى بالعبادات والرياضات وهي شركات تحصيل الفائت من الخلق المطلوب ، فآل تحقيق المقام إلى أن السعادة الحقيقية لا تقتنص