فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 863

يحصل نظاما صالحا في المدينة أو بكمل خلقه ، ويهذب نفسه ، أو يتفصى من عذاب الآخرة ، أو يمكن جاهه في صدور الناس . الثاني أنه يضم مع الارتفاق الظرافة ، فالبهيمة إنما تبتغي ما تسد به خلتها ، وتدفع حاجتها فقط ، والإنسان ربما يريد أن تقر عينه ، وتلذ نفسه زيادة على الحاجة ، فيطلب زوجة جميلة ، وطعاما لذيذا ، وملبسا فاخرا ومسكنا شامخا . والثالث أنه يوجد منهم أهل عقل ودارية يستنبطون الارتفاقات الصالحة ، ويوجد منهم من يختلج في صدره ما اختلج في صدور أولئك ، ولكن لا يستطيع الاستنباط ، فإذا رأى من الحكماء ، وسمع ما استنبطوه تلقاه بقلبة ، وعض عليه بنواجذه لما وجده موافقا لعلمه الإجمالي ، فرب إنسان يجوع ، ويظمأ فلا يجد الطعام والشراب ، فيقاسي ألما شديدا حتى يجدهما ، فيحاول ارتفاقا بإزاء هذه الحاجة ، ولا يهتدي سبيلا ، ثم يتفق أن يلقى حكيما أصابه ما أصاب ذلك ، فتعرف الحبوب الغاذية ، واستنبط بذرها وسقيها وحصادها ودياسها وتذريتها ، وحفظها إلى وقت الحاجة ، واستنبط حفر الآبار للبعيد من العيون والأنهار واصطناع القلال والقرب والقصاع ، فيتخذ ذلك بابا من الارتفاق ، ثم أنه يقضم الحبوب كما هي ، فلا تنهضم في معدته ، ويرتع الفواكه نيئة ، فلا تنهضم ، فيحاول شيئا بإزاء هذه ، فلا يهتدي سبيلا ، فيلقى حكيما استنبط الطبخ والقلي والطحن والخبز ، فيتخذ ذلك بابا آخر ، وقس على ذلك حاجاته كلها . والمستبصر يشهد عنده لما ذكرنا حدوث كثير من المرافق في البلدان بعد ما لم تكن ، فمضى على ذلك قرون ، ولم يزالوا يفعلون ذلك حتى اجتمعت

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت