وأصل الحج موجود في كل أمة لا بد لهم من موضع يتبركون به لما رأوا من ظهور آيات الله فيه ، ومن قرابين وهيآت مأثورة عن أسلافهم يلتزمونها بها ؛ لانها تذكر المقربين وما كانوا فيه . وأحق ما يحج إليه بيت الله ، فيه آيات بينات ، بناه إبراهيم صلوات الله عليه المشهود له بالخير على ألسنة أكثر الأمم بأمر الله ووحيه بعد أن كانت الأرض قفرا وعرا ، إذ ليس غيره محجوج إلا وفيه إشراك أو اختراع ما لا أصل له . ومن باب الطهارة النفسانية الحلول بموضع لم يزل الصالحون يعظمونه ، ويحلون فيه ، ويعمرونه بذكر الله ، فإن ذلك يجلب تعلق همم الملائكة السفلية ، ويعطف عليه دعوة الملأ الأعلى الكلية لأهل الخير ، فإذا حل به غلب ألوانهم على نفسه ، ' وقد شاهدت ذلك رأي عين ' . ومن باب ذكر الله تعالى رؤية شعائر الله وتعظيمها ، فإنها إذا رؤيت ذكر الله كما يذكر الملزوم اللازام لا سيما عند التزام هيآت تعظيمه وقيود وحدود تنبه النفس تنبيها عظيما . وربما يشتاق الإنسان إلى ربه أشد شوق ، فيحتاج إلى شيء يقضي به شوقه فلا يجد إلا الحج . وكما أن الدولة تحتاج إلى عرضة بعد كل مدة ؛ ليتميز الناصح من الغاش والمنقاد من المتمرد ، وليرتفع الصيت ، وتعلو الكلمة ، ويتعارف أهلها فيما بينهم ، فكذلك الملة تحتاج إلى حج ليتميز الموفق من المنافق ،