فهرس الكتاب

الصفحة 20 من 863

ثم تعلم أن الله تعالى قد أودع الإنسان بحكمته الباهرة قوتين: قوة ملكية تتشعب من فيض الروح المخصوصة بالإنسان على الروح الطبيعية السارية في البدن وقبولها ذلك الفيض وانقهارها له ، وقوة بهيمية تتشعب من النفس الحيوانية المشترك فيها كل حيوان المتشبحة بالقوى القائمة بالروح الطبيعية واستقلالها بنفسها وإذعان الروح الإنسانية لها وقبولها الحكم منها ، ثم تعلم أن بين القوتين تزاحما وتجاذبا ، فهذه تجذب إلى العلو دون تلك إلى السفل وإذا برزت البهيمية ، وغلبت آثارها كمنت الملكية ، وكذلك العكس ، وأن للباري جل شأنه عناية بكل نظام ، وجودا بكل ما يسأله الاستعداد الأصلي والكسبي ، فإن كسب هيآت بهيمية أمد فيها ، ويسر له ما يناسبها ، وإن كسب هيآت ملكية أمد فيها ، ويسر له ما يناسبها كما قال الله عز وجل . ! ( فأما من أعطى واتقى وصدق بالحسنى فسنيسره لليسرى وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى ) ! . وقال: ! ( كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك وما كان عطاء ربك محظورا ) ! . وأن لكل قوة لذة وألما ، فاللذة أدراك ما يلائمها ، والألم إدراك ما يخالفها وما أشبه حال الإنسان بحال من استعمل مخدرا في بدنه ، فلم يجد ألم لفح النار حتى إذا ضعف أثره ، ورجع إلى ما تعطيه الطبيعة وجد الألم أشد ما يكون أو بحال الورد على ما ذكره الأطباء أن فيه ثلاث قوى: قوة أرضية تظهر عند السحق والطلاء ، وقوة مائية تظهر عند العصر والشرب ، وقوة هوائية تظهر عند الشم ، فتبين أن التكليف من مقتضيات النوع ، وأن الإنسان يسأل ربه بلسان استعداده أن يوجب عليه ما يناسب القوة الملكية ، ثم يثيب على ذلك ، وأن يحرم عليه الانهماك في البهيمية ، ويعاقب على ذلك والله أعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت