حيث قال: ' إنما كان هذا الحي من الأنصار ، وهم أهل وثن ، مع هذا الحي من اليهود ، وهم أهل الكتاب ، فكانوا يرون لهم فضلا عليهم في العلم ، فكانوا يقتدون بكثير من فعلهم ' الحديث ، وأيضا الأصل أن تكون الشرائع موافقة لما عليه الملل الحقة ما لم تكن من تحريفات القوم وتعمقاتهم ، ليكون أتم لإقامة الحجة عليهم ، وأشد لطمأنينة قلوبهم ، واليهود هم القائمون برواية الكتاب السماوي والعمل بما فيه ، ثم أحكم الله آياته وأطلع نبيه على ما هو أوفق بالمصلحة من هذا وأقعد بقوانين التشريع بالنفث في روعه أولا ، فكان يتمنى أن يأمر باستقبال الكعبة ، وكان يقلب وجهه في السماء طمعا أن يكون جبرائيل نزل بذلك ، وبما أنزل في القرآن العظيم . ثانيا ، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم بعث في الأميين الآخذين بالملة الإسماعيلية ، وقدر الله في سابق علمه أنهم هم القائمون بنصرة دينه ، وهم شهداء الله على الناس من بعده ، وهم خلفاؤه في أمته ، وأن اليهود لا يؤمن منهم إلا شرذمة قليلة ، والكعبة من شعائر الله عند العرب أذعن لها أقاصيهم وأدانيهم ، وجرت السنة عندهم باستقبالها شائعا ذائعا ، فلا معنى للعدول عن ذلك . ولما كان استقبال القبلة شرطا - إنما أريد به تكميل الصلاة ، وليس شرطا - لا يتأتى أصل فائدة الصلاة إلا به تلا - رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن تحرى في ليلة مظلمة وصلى لغير القبلة قوله تعالى: ! ( فأينما تولوا فثم وجه الله ) ! . يومى إلى أن صلاتهم جائزة للضرورة .