وقوله صلى الله عليه وسلم: ' مثل له شجاعا أقرع ' وقوله صلى الله عليه وسلم في الإبل والبقر والغنم قريبا من ذلك - أقول: السبب الباعث على كون جزاء مانع الزكاة على هذه الصفة شيآن: أحدهما أصل ، الثاني كالمؤكد له ، وذلك أنه كما أن الصورة الذهنية تجنب صورة أخرى كسلسلة أحاديث النفس الجالب بعضها بعضا ، وكما أن حضور صورة متضايف في الذهن يستدعي حضور صورة متضايف آخر كالبنوة والأبوة ، وكما أن امتلاء أوعية المنى به وثوران بخاره في القوى الفكرية يهز النفس لمشاهدة صور النساء في الحلم ، وكما أن امتلاء الأوعية ببخار ظلماني يهيج في النفس صور الأشياء المؤذية الهائلة - كالفيل - مثلا ، فكذلك المدارك تقتضي بطبيعتها إذا أفيضت قوة مثالية على النفس أن يتمثل بخلها بالأموال ظاهرا سابغا ، وأن يجلب ذلك تميل ما بخل به وتعانى في حفظه ، وامتلأت قواه الفكرية به أيضًا ظاهرًا سابغًا يتألم منه حسبما جرت سنة الله أن يتألم منها ، فمن الذهب والفضة الكى ، ومن الإبل الوطء والعض ، وعلى هذا القياس . ولما كان الملأ الأعلى علموا ذلك ، وانعقد في وجوب الزكاة عليهم ، وتمثل عندهم تأذي النفوس البشرية بها - كان ذلك معدا لفيضان هذه الصورة في موطن الحشر ، والفرق بين تمثله شجاعا . وتمثله صفائح ، أن الأول فيما يغلب عليه حب المال إجمالا فتتمثل في نفسه صورة المال شيئا واحدا وتتمثل إحاطتها بالنفس تطوقا وتأذي النفس بها بلسع الحية البالغة في السم أقصى الغايات ، والثاني فيما يغلب عليه حب الدراهم والدنانير بأعيانها ، ويتعانى في حفظها ، وتمتلئ قواه الفكرية بصورها فتمثل تلك الصورة كاملة تامة مؤلمة .