وإظهار صولة المسلمين ، وكان أهل مكة يقولون: وهنتهم حمى يثرب ، فهو فعل من أفعال الجهاد ، وهذا السبب قد انقضى ومضى ، ومنها تصوير الرغبة في طاعة الله ، وأنه لم يزده السفر الشاسع والتعب العظيم إلا شوقا ورغبة كما قال الشاعر: ( إذا اشتكت من كلال السير واعدها ** روح الوصال فتحيا عند ميعاد ) وكان عمر رضي الله عنه أراد أن يترك الرمل والاضطباع لانقضاء سببهما ، ثم تفطن إجمالًا أن لهما سببا آخر غير منقض فلم يتركهما . وإنما لم يشرع الوقوف بعرفة في العمرة لأنها ليس لها وقت معين ليتحقق معنى الاجتماع فلا فائدة للوقوف بها ، ولو شرع لها وقت معين كانت حجا ، وفي الاجتماع مرتين في السنة ما لا يخفى . وإنما العمدة في العمرة تعظيم بيت الله وشكر نعمة الله . والسر في السعي بين الصفا والمروة على ما ورد في الحديث أن هاجر أم إسمعيل عليه السلام لما اشتد بها الحال سعت بينهما سعي الإنسان المجهود ، فكشف الله عنهما الجهد بابداء زمزم ، وإلهام الرغبة في الناس أن يعمروا تلك البقعة ، فوجب شكر تلك النعمة على أولاده ومن تبعهم ، وتذكر تلك الآية الخارقة لتبهت بهيميتهم ، وتدلهم على الله ، ولا شيء في هذا مثل أن يعضد عقد القلب بهما بفعل ظاهر منضبط مخالف لمألوف القوم فيه تذلل عند أول دخولهم مكة وهو محاكاة ما كانت فيه من العناء والجهد ، وحكاية الحال في مثل هذا أبلغ بكثير من لسان المقال .