أشعر إلى غير ذلك مما لا ينفك عن الأفراد عند سلامة مزاجها . وثانيهما الأحكام الباطنة كالإدراك والاهتداء للمعاش والاستعداد لما يهجم عليها من الوقائع ، فلكل نوع شريعة ، ألا ترى النحل كيف أوحى الله تعالى إليها أن تتبع الأشجار ، فتأكل من ثمراتها ، ثم كيف تتخذ بيتا يجتمع فيه بنو نوعها ، ثم كيف تجمع العسل هنالك ، وأوحى إلى العصفور أن يرغب الذكر في الأنثى ، ثم يتخذ عشا ، ثم يحضنا البيض ، ثم يزقا الفراخ ، ثم إذا نهضت الفراخ علمها أين الماء وأين الحبوب ، وعلمها ناصحها من عدوها ، وعلمها كيف تفر من السنور والصياد ، وكيف تنازع بني نوعها عند جلب نفع أو دفع ضر ، وهل تظن الطبيعة السليمة بتلك الأحكام أنها لا ترجع إلى اقتضاء الصورة النوعية . واعلم أن سعادة الأفراد أن تمكن منها أحكام النوع وافرة كاملة وألا تعصى مادتها عليها ، ولذلك يختلف أفراد الأنواع ، فيما يعد لها من سعادتها أو شقاوتها ، ومهما بقيت على ما يعطيه النوع لم يكن لها ألم لكنها قد تغير فطرتها بأسباب طارئة بمنزلة الورم ، وإليه وقعت الإشارة بقوله صلى الله عليه وسلم: ' ثم أبواه يهودانه ، أو ينصرانه ، أو يمجسانه ' . واعلم أن الأرواح البشرية تنجذب إلى هذه الحضرة تارة من جهة البصيرة والهمة ، وتارة من جهة تشبح آثارها فيها إيلاما وانعاما ، أما الانجذاب بالبصيرة ، فليس أحد يتخفف عن ألواث البهيمية إلا وتلحق نفسه بها ، وينكشف عليها شيء منها وهو المشار إليه في قوله صلى الله عليه وسلم: ' اجتمع آدم وموسى عند ربهما ' وروى عنه صلى الله عليه وسلم من طرق شتى أن أرواح الصالحين تجتمع عند الروح الأعظم ، أما الانجذاب الآخر فاعلم أن حشر الأجساد وإعادة الأرواح إليها ليست حياة مستأنفة إنما هي تتمة النشأة المتقدمة بمنزلة التخمة لكثرة الأكل . كيف ولولا ذلك لكانوا غير الأولين ، ولما أخذوا بما فعلوا .