فهرس الكتاب

الصفحة 613 من 863

على الحاجة لأنه يصده عما هو بسبيله ، فانحدر إلى النفس ، فكفها عن طلبه . قال صلى الله عليه وسلم:

' من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه ' أقول: كل شغل بما سوى الله نكتة سوداء في مرآة النفس إلا أن ( ما - لا ) بد له منه في حياته إذا كان بنية البلاغ معفو عنه ، وأما سوى ذلك فواعظ الله في قلب المؤمن يأمر بالكف عنه ، وقال صلى الله عليه وسلم: ' الزهادة في الدنيا ليست بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن الزهادة في الدنيا ألا تكون بما في يدك أوثق منك بما في يدي الله ، وأن تكون في ثواب المصيبة إذا أنت أصبت بها أرغب منك فيها لو أنها أبقيت لك ' . أقول: قد يحصل للزاهد في الدنيا غلبة تحمله على عقائد وأفعال ما هي محمودة في الشرع مما ليس بمحمود ، فبين النبي صلى الله عليه وسلم من محال الزهد ما هو محمود في الشرع مما ليس بمحمود ، فالرجل إذا انكشف عليه قبح الاشتغال بالزائد على الحاجة ، فكرهه كما يكره الأشياء الضارة بالطبع ربما يؤديه ذلك إلى التعمق فيه ، فيعتقد مؤاخذة الله عليه في صراح الشريعة ، وهذه عقيدة باطلة لأن الشرع نازل على دستور الطبائع البشرية ، والزهد نوع انسلاخ عن الطبيعة البشرية وإنما ذلك أمر الله في خاصة نفسه تكميلا لمقامه ، وليس بتكليف شرعي ، وربما يؤديه إلى إضاعة المال الرمي به في البحار والجبال ، وهذه غلبة لم يصححها الشرع ، ولم يعتبرها منصة لظهور أحكام الزهد بل الذي اعتبره الشرع منصة شيئان: أحدهما الزائد الذي لم يحصل بعد ، فلا يتكلف في طلبه اعتمادا على ما وعده الله من البلاء في الدنيا والثواب في الآخرة ، وثانيهما الشيء الذي فات من يده ، فلا يتبعه نفسه ، ولا يتأسف عليه ، إيمانا بما وعد الله الصابرين والفقراء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت