اقول: كان اليهود يضيقون في هيئة المباشرة من غير حكم سماوي ، وكان الأنصار ومن وليهم يأخذون سنتهم ، وكانوا يقولون: إذا أتى الرجل امرأته من دبرها في قبلها كان الولد أحول فنزلت هذه الآية: أقبل ، وأدبر ما كان في صمام واحد ، وذلك لأنه شيء لا يتعلق به المصلحة المدنية والملية ' والإنسان أعرف بمصلحة خاصة نفسه ، وإنما كان ذلك من تعمقات اليهود فكان من حقه أن ينسخ . وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن العزل ؟ فقال:
' ما عليكم ألا تفعلوا ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة ' أقول: يشير إلى كراهية العزل من غير تحريم ، والسبب في ذلك أن المصالح متعارضة ، فالمصلحة الخاصة بنفسه في السبي مثلا أن يعزل ، والمصلحة النوعية ألا يعزل ، ليتحقق كثرة الأولاد وقيام النسل ، والنظر إلى المصلحة النوعية أرجح من النظر إلى المصلحة الشخصية في عامة أحكام الله تعالى التشريعية والتكوينية ، على أن العزل ليس فيه ما إتيان الدبر من تغيير خلق الله ولا الأعراض من التعرض للنسل ، ونبه صلى الله عليه وسلم بقوله: ' ما عليكم أن ألا تفعلوا ' على أن الحوادث مقدرة قبل وجودها . وأن الشيء إذا قدر ولم يكن له في الأرض إلا سبب ضعيف فمن سنة الله عز وجل أن يبسط ذلك السبب الضعيف حتى يفيد الفائدة التامة ، فالإنسان إذا قارب الإنزال وأراد أن ينزع ذكره كثيرا ما يتقاطر في إحليله قطرات تكفي من مادة ولده وهو لا يدري ، وهو سر قول عمر رضي الله عنه بالحاق الولد بمن أقر أنه مسها لا يمنع من ذلك العزل .