وغيرها مما هو من جعل الجواهر الطبيعية بحيث يتأتى منها الارتفاق المطلوب ثم صارت التجارة كسبا ، ثم صار الإقبال على كل ما يحتاج الناس إليه كسبا . وكلما رقت النفوس وأمعنت في حب اللذة والرفاهية ، تفرعت حواشي المكاسب ، واختص كل رجل بكسب لأحد شيئين مناسبة القوي فالرجل الشجاع يناسب الغزو ، والكيس الحافظ يناسب الحساب ، وقوي البطش يناسب حمل الأثقال وشاق الأعمال ، واتفاقات توجد فولد الحداد وجاره يتيسر له من صناعة الحدادة ما لا يتيسر له من غيرها ولا لغيره منها ، وقاطن ساحل البحر يتأتى منه صيد الحيتان دون غيره ودون غيرها ، وبقيت نفوس أعيت بها المذاهب الصالحة ، فانحدروا إلى أكساب ضاره بالمدينة كالسرقة والقمار والتكدى . والمبادلة إما عين بعين ، وهو البيع ، أو عين بمنفعة ، وهي الإجارة ، ولما كان انتظام المدينة لا يتم إلا بإنشاء ألفة ومحبة بينهم ، وكانت الألفة كثيرا ما تفضي إلى بذل المحتاج إليه بلا بدل أو تتوقف عليه انشعبت الهبة والعارية ، ولا تتم أيضا إلا بمواساة الفقراء انشعبت الصدقة وأوجبت المعدات أن يكون منهم الأخرق والكافي والمملق والمثري والمستنكف من الأعمال الخسيسة وغير المستنكف والذي ازدحمت عليه الحاجات والمتفرغ ، فكان معاش كل واحد لا يتم إلا بمعاونة آخر ، ولا معاونة إلا بعقد وشروط واصطلاح على سنة ، فانشعبت المزارعة والمضاربة والإجارة والشركة والتوكيل ، ووقعت حاجات تسوق إلى مداينة ووديعة ، وجربوا الخيانة والجحود والمطل فاضطروا إلى إشهاد وكتابة وثائق ورهن وكفالة وحوالة ، وكلما ترفهت النفوس انشعبت أنوع المعاونات ، ولن تجد أمة من الناس إلا ويباشرون هذه المعاملات ويعرفون العدل من الظلم والله أعلم .