إلا بعين الهوان ، وإن لم يكن حليما كاد يهلكهم بسطوته ، وإن لم يكن حكيما لم يستنبط التدبير المصلح ، وأن يكون عاقلا بالغا حرا ذكرا ذار أي وسمع وبصر ونطق ممن سلم الناس شرفه وشرف قومه ، ورأوا منه ومن آبائه المآثر الحميدة ، وعرفوا أنه لا يألو جهدا في إصلاح المدينة ، هذا كله يدل عليه العقل ، وأجمعت عليه أمم بني آدم على تباعد بلداتهم واختلاف أديانهم لما أحسوا من أن المصلحة المقصودة من نصب الملك لا تتم إلا به ، فإن وقع شيء من إهماله رأوه خلاف ما ينبغي ، وكرهته قلوبهم ، ولو سكتوا سكتوا على غيظ . ولا بد للملك من إنشاء الجاه في قلوب رعيته ، ثم حفظه وتدارك الخادشات له بتدبيرات مناسبة ، ومن قصد الجاه فعليه أن يتحلى بالأخلاق الفاضلة مما يناسب رياسته كالشجاعة والحكمة والسخاوة والعفو عمن ظلم وارادة نفع العامة ، ويفعل بالناس ما يفعل الصياد بالوحش ، فكما أن الصياد يذهب إلى الغيضة ، فينظر إلى الظباء ، ويتأمل الهيئة المناسبة لطبائعها وعاداتها ، فيتهيأ بتلك الهيئة ، ثم يبرز لها من بعيد ، ويقصر النظر على عيونها وآذانها ، فمهما عرف منها تيقظا أقام بمكانه كأنه جماد ليس به حراك ، ومهما عرف منها غفلة دب إليها دبيبا ، وربما أطر بها بالنغم ، وألقى إليها أطيب ما ترومه من العلف على أنه صاحب كرم بالطبع ، وأنه لم يقصد بذلك صيدها ، والنعم تورث حب المنعم ، وقيد المحبة أوثق من قيد الحديد ، فكذلك الرجل الذي يبرز إلى الناس ينبغي أن يؤثر هيئة ترغب فيها النفوس من زي ومنطق وأدب . ثم يتقرب منهم هونا ، ويظهر إليهم النصح والمحبة من غير مجازفة ولا ظهور قرينة تدل على أن ذلك لصيدهم ، ثم يعلمهم أن نظيره كالممتنع في حقهم حتى يرى أن نفوسهم قد طمأنت بفضله وتقدمه ، وصدورهم قد