حاجة من فوقه، ثم هي مع ذلك تتفاوت بحسب تفاوت صاحبها، في مقدار ما هو بسبيله، وحينئذ فتكون مقولة بالتشكيك المحض، ويلزم عن ذلك أمر آخر:
وهو أن النحو يجب أن يكون في نفسه قد استقصيت فيه الغاية، وبذل في تدقيق النظر فيه مجهود الاستطاعة، ليكون أصلا لأصناف الطالبين، وموردا قد علم كل الناس مشربهم منه، وكذلك فعلوا رحمهم الله.
قال ابن خروف [1] في تنزيه أئمة النحو عما نسب إليهم من الزلل والسهو:
«لولا اجتهادهم في ضبطه، وتحريهم في نقله، وتبنيهم معانيه، واتساعه، ومجازه، وحذفه، وأكثر علله، وحصر [الكثير] [2] منه في القليل، ما علمت حقيقته، وما احتوى عليه من عجائبه» اه.
وإذا كان كذلك فكيف يصح أن يقال في جانب الأئمة الذين تكفلوا بالقيام بهذه المهمة، وأنهضت إلى تكميل الغاية منها عزائمهم: «إنهم ما أتوا إلا بما خاب فيه سعيهم، وخسرت في التشمير عن ساعد الجد فيه صفقتهم، حتى نسبوا إلى الجنون، والحماقة، وحذر من [غرور] [3] الفتنة بآرائهم، وسفه الاعتقاد 12و / / لخرافات علمهم، وهذيان صناعتهم» .
لا يقال: إنما هذا في حق من اشتغل بطلب ما فوق الحاجة معرضا عن تقديم الأهم، لأن ذلك لا يخفى أنه من فعل ذوي السفه والجهالة، لأنا نقول أولا: قوله بعد ذلك [4] : [ «إن النحاة مضت أعمارهم بددا» ] إلى آخره يبين أن الفتنة بآراء هذه الحماقة التي أنتجها تعمق النظر في هذا العلم، لا تخص
(1) هو أبو الحسن علي بن محمد الحضرمي الإشبيلي. ت: 604هـ 1208م. من أعلم الناس بالعربية. له كتاب «تنقيح الألباب في شرح غوامض الكتاب» و «شرح الجمل للزجاجي» . وله ردود كثيرة على بعض معاصريه. انظر: معجم الأدباء: 15/ 7675، والوفيات: 3/ 335، وجذوة ابن القاضي: 2/ 485484.
(2) في «أ» : الكبير.
(3) في «أ» : عزور.
(4) البيت الثالث من القصيدة ص: 11و / / من مخ «أ» . ص: 126من هذا الكتاب.