جوابها المنع، فإن قلت: دليله على ذلك متقدم: قوله: «إن النحو كالملح» حتى في الضرر الزائد على قدر الحاجة.
قلت: وقد تقدم أنه لا دليل أيضا على ذلك فهو دعوى هذه أختها!
الثاني: تحقيق [إبطاله] [1] بما يدل على خلافه، وبيانه: أن النحويين إذا كانوا قد قاموا بوظيفة مهمة الحصول [2] في [الدين] [3] ، ومسلوك بها على سنن الخلفاء الراشدين، فكيف يسوغ أن يعتقد فيهم أن «أعمارهم مضت في ذلك بددا» ، في غير شيء؟ أو كيف يعقل أن يقال: «إنهم باعوا الدين بالدون» ، وهم ما اشتغلوا إلا بما يقيم الدين، ويمهد السبيل إلى فهم أصله الذي هو الكتاب العزيز، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولولا أن الله تعالى وفر دواعيهم لاستنباط هذا العلم المأخوذ من عظماء الصحابة، وكبراء التابعين، لما كانت الشريعة محفوظة، لكنه تعالى قد ضمن عصمتها في نحو قوله تعالى: {إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنََّا لَهُ لَحََافِظُونَ} (9) [4] . وقوله: {كِتََابٌ أُحْكِمَتْ آيََاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ} [5] .
فلا جرم، كان من جملة ما به العصمة: قطع النحاة لأعمارهم، في تمهيد علوم العربية، وتفريع أصولها.
قال الأستاذ أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله في تقرير هذه العصمة، مما يدل على ذلك: [6] «الاعتبار الوجودي الواقع من زمان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن. وذلك أن الله تعالى وفر دواعي هذه الأمة للذب عن الشريعة، والمناضلة عنها بحسب الجملة والتفصيل، أما القرآن الكريم فقد [قيض] [7] الله له حفظة بحيث لو زيد فيه حرف واحد لأخرجه آلاف من الأطفال الأصاغر،
(1) في «ج» : بطاله.
(2) في العبارة غموض لا يخفى.
(3) في «ج» : الدير.
(4) سورة الحجر، الآية: 9.
(5) سورة هود، الآية: 1.
(6) وهو الدليل الثاني على أن الشريعة المباركة معصومة حيث جعل الأول: في الأدلة الدالة على ذلك تصريحا وتلويحا، والثاني: للاعتبار الوجودي
(7) في «أ» : نيط.