وأما باعتبار وجوب المراعاة لما عندهم، فلا يلزم أن يعتقد أن هذا الوجوب بمعنى ما عند أهل التحسين والتقبيح عقلا. كيف وهو بحسب الاتباع لأوضاعهم على أي وجه سمعت منهم، ولذلك ينكرون على من حكم القياس عليها، معرضا عن وجوب الوقوف معها. يعرف هذا يقينا منهم من له أدنى وقوف على ما سطروا في مصنفاتهم، وما دوّن من أخبارهم.
فمن المنقول من ذلك عن «أحمد بن يحيى ثعلب» : أنه كان يقول: «لولا الفراء لسقطت العربية لأنها كانت تتنازع، ويدعيها كل من أراد، ويتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم وقرائحهم فتذهب.
قال: وأدركنا العلماء يردون في العلم أقاويل العلماء، ثم تكون العلل بعد، ثم رأينا الناس بعد ذلك يتكلمون في العلم بآرائهم ويقولون: نحن [نقول] [1] فيأتون بالكلام على طباعهم، وبحسب ما يحسن في عقولهم [2] ، وهذا سبب ذهاب العلم وبطلانه [3] اه.
فأنت ترى ما في هذا الكلام من البراءة مما رماهم به ناظم هذه الأبيات من غير ما وجه. من ذلك: أن ما يحسن في العقل لا يعتبر إلا إن وافق ما يدل عليه السماع، وإلا فليس بشيء، فأين هذا من رأي القائلين بالتحسين والتقبيح العقليين؟ وهل هذا العلم مما يجري فيه ذلك، لو كان هذا الناظم يعرف موضوعه، ومجاري القول بتحسين العقل وتقبيحه؟ 18و / /.
«اللهم أرزقنا لبا نعلم به قدر ما نقول، ونعرف حق العلم والعلماء به» .
قوله:
«وما عن النحو يوم الدين يسألهم ... رب العباد إذا هبوا إلى الدين
لكن يقول اخبروني عن عقائدكم ... وهل أتيتم بمفروض ومسنون» [4]
(1) في «ج» : يقول.
(2) في طبقات الزبيدي 132: ما يحسن عندهم.
(3) انظر: م. س: 132.
(4) البيت السادس والسابع من القطعة الواردة في ص: 11ومن مخ «أ» . ص: 127من هذا الكتاب.