الرابع: أنه قال: {مِمََّا عُلِّمْتَ} ، و «من» هنا للتبعيض كأنه يطلب بعض ما علمه، فيقول: لا أطلب منك أن تجعلني مشاركا لك في العلم، بل أطلب منك أن تعلمني جزءا من أجزاء علمك كما يطلب الفقير من الغني أن يدفع إليه جزءا من أجزاء ماله.
الخامس: أن قوله: {مِمََّا عُلِّمْتَ} ، اعتراف بأن الله تعالى علمه ذلك العلم.
قلت: وذلك يفيد تعظيمه للخضر، وإقراره بفضيلة العناية به.
السادس: أن قوله: {رُشْدًا} طلب منه الإرشاد للهداية، فالإرشاد هو الأمر الذي لو لم يحصل لحصلت الغواية والضلالة.
السابع: أن قوله «تعلمني مما علمت» ، فمعناه أنه طلب منه أن يعامله بمثل ما عامله الله 57ظ / فيشعر بأن إنعامه عليه بتعليمه كما قيل: «أنا عبد من تعلّمت منه حرفا» .
الثامن: أن قوله: {هَلْ أَتَّبِعُكَ} يدل على أنه يأتي بمثل أفعال أستاذه، بمجرد كون ذلك الأستاذ فعل ذلك كما هي حقيقة المتابعة، وحينئذ فيدل على أن المتعلم يجب عليه في أول الأمر السلم، وترك المنازعة، والاعتراض.
التاسع: أن قوله: {هَلْ أَتَّبِعُكَ} ، يدل على متابعته مطلقا في جميع الأمور، غير مقيد بشيء دون شيء.
العاشر: أنه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى ََ أَنْ تُعَلِّمَنِ} ، فأثبت كونه تبعا له أولا، ثم طلب ثانيا أن يعلمه، وهذا منه ابتداء، بالخدمة، ثم في المرتبة الثانية طلب منه التعليم.
الحادي عشر: أنه قال: {هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلى ََ أَنْ تُعَلِّمَنِ} ، فلم يطلب على هذه المتابعة إلا التعليم كأنه قال: لا أطلب منك على هذه المتابعة المال والجاه، ولا غرضا إلا طلب التعليم.
الثاني عشر: ثبت في «الأخبار» أن «الخضر» عليه السلام عرف أولا:
أنه نبي بني إسرائيل وأنه هو موسى صاحب التوراة الذي كلمه الله من غير واسطة، وخصه بالمعجزات القاهرة والآيات الباهرة، ثم إنه عليه السلام مع هذه المناصب الرفيعة، والدرجات العالية الشريفة، أتى بهذه الأنواع الكثيرة من التواضع وذلك يدل على كونه عليه السلام أتى في طلب العلم بأعظم أنواع المبالغة في التواضع.