فهرس الكتاب

الصفحة 353 من 488

حملت علي ذنبه وتركته ... كذي العرّ يكوى غيره وهو راتع

فقلت: هذا من أوضح بيت تقوله العرب، وأوضحه معنى، لكثرة مشاهدتها لما ذكرته منه، فقال المأمون، وأي شيء تعني قولك:

«كذي العر يكوى غيره وهو راتع»

قال: فقلت يا أمير المؤمنين عندنا في البادية داء يقع في الجمال، يقال له «العر» من جنس الجرب إلا أنه ليس بجذري، فإذا أصاب البعير، وظهر به، لم يكن له دواء في الدنيا، إلا يجاء بهذا البعير الذي قد أصابه، فيبرك، ويجاء ببعير صحيح ليس به قلبة فيبرك بحيال السقيم، فلا يزال يكوى أبدا الصحيح حتى يبرأ السقيم، فقال المأمون: هذا شيء لا أقبله منك، ولا يكون مثله، فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا شيء تتعارفه العرب، ولا تدفعه، ولا بينهم خلاف فيه، يشاهدونه كل يوم، وكل ساعة، فقال لعمرو 91و / / بن مسعدة [1] : انظر من هنا من العرب فأحضره، فتوجه فأحضر جماعة منهم فقال له: سلهم أي شيء هو «العر» عندكم؟ فقالوا بأجمعهم: داء يقع على الجمال، قريب من الجرب، قال لهم: فما دواؤه عندكم؟. قالوا: ليس له دواء في الدنيا إلا أن يبرك البعير السقيم، ويجاء ببعير صحيح فيبرك بحياله، فلا يزال يكوى الصحيح أبدا حتى يبرأ السقيم، فأمر بهم، فصرفوا، ثم أقبل علي فقال: يا عبد العزيز: ما أعجب هذا، ولمعرفتي به اليوم أحب إلي من مائة ألف دينار، ثم قال: فأي شيء أردت بقولك:

«حملت علي ذنبه وتركته»

فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، حملت علي ذنب بشر، وقد وقفت على أنه خالف كتاب الله عز وجل، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبدلهما، وحرفهما من مواضعهما، وخالف أمر الله عز وجل، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر خليفته، وأنه

(1) هو أبو الفضل عمرو بن مسعدة بن سعيد بن صول. ت: 217هـ 832م. أحد كتاب المأمون، وهو ابن عم إبراهيم بن العباس الصولي الشاعر. انظر: تاريخ بغداد: 12/ 204203، والوفيات: 3/ 478475.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت