فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 488

خفاء أن اللاحن يصير نفسه هدفا لسهام التنقيص له، والازدراء بقدره، ويعرض نفسه للوقيعة فيه، وسلامة العلم بها من معرفة ذلك كله ظاهر في حفظها لهذا الضروري الآخر على رأي من ضمه إلى جملة الضروريات المتقدمة، ولموقع صون العرض بها في نفوس ذوي الهمم العالية، كانوا إذا نبهوا على ما عسى أن يكون مثيرا للشك في مخالفة الصواب فيها، يبادرون إلى الوقوف على جلية ما ينفي عنهم وصمة الانتساب إلى الجهالة بها حماية لعرضهم، وترفعا عن حطة اللحن، وخسة النقيصة به.

فيحكى عن المتوكل [1] «أنه قرأ يوما وبحضرته الفتح بن خاقان: {وَمََا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهََا إِذََا جََاءَتْ لََا يُؤْمِنُونَ} [2] فقال له الفتح: يا سيدي، «إنها إذا جاءت لا يؤمنون» بالكسر، فتبايعا على عشرة آلاف دينار، وتحاكما إلى يزيد بن محمد المهلبي [3] ، وكان صديقا للمبرد، فلما وقف يزيد على ذلك خاف أن يسقط أحدهما، فقال: والله ما أعرف الفرق بينهما، وما رأيت أعجب من أن يكون باب أمير المؤمنين يخلو من عالم متقدم، فقال المتوكل: فليس هاهنا من يسأل عن هذا؟ فقال: ما أعرف أحدا يتقدم فتى البصرة ويعرف بالمبرد، فأمر أن يشخص فنفذ الكتاب إلى محمد بن القاسم بن محمد بن سليمان الهاشمي بأن يشخصه مكرما.

فحدث المبرد قال: وردت «سر من رأى» [4] ، فأدخلت على الفتح بن خاقان، فقال: يا بصري، كيف تقرأ هذا الحرف «وما يشعركم «إنها» إذا جاءت

(1) المتوكل على الله جعفر بن محمد المعتصم بالله بن هارون الرشيد، يكنى أبا الفضل، بويع له بالخلافة بعد الواثق، قتل ب «سر من رأى» سنة 247هـ 861م. انظر: تاريخ بغداد: 7/ 165 172.

(2) سورة الأنعام، الآية: 109.

(3) هو أبو خالد يزيد بن محمد بن المهلب بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، بصري، شاعر، محسن من شعراء الدولة الهاشمية. انظر: سمط اللآلىء: 2/ 840839.

(4) «سامراء» «أو سر من رأى» مدينة كانت بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة، من أهم آثارها:

قصر المتوكل. انظر معجم البلدان: 3/ 173.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت