وبالكلام، ينبىء به أوله عن آخره، وآخره عن أوله، وأن تتكلم بالشيء تعرفه بالمعنى دون اللفظ، كما يعرف بالإشارة، وتسمي الشيء الواحد بالأسماء الكثيرة والمعاني الكثيرة بالاسم الواحد.
ثم قال: فمن جهل هذا من لسانها وبلسانها نزل الكتاب. وجاءت به السنة فتكلف القول في علمها تكلف ما يجهل بعضه، ومن تكلف ما جهل، وما لم يثبته معرفة كانت موافقة الصواب إن وافقه من حيث لا يعرفه غير محمودة، وكان بخطئه غير معذور، إذا نطق بما لا يحيط به علمه، بالفرق بين الصواب والخطأ فيه. هذا قوله وهو الحق الذي لا محيص عنه.
قال: وغالب ما صنف في أصول الفقه من الفنون إنما هو من المطالب العربية التي تكفل المجتهد فيها بالجواب عنها، وما سواها من المقدمات، فقد يكفي فيه التقليد، كالكلام في الأحكام تصورا وتصديقا، وكأحكام النسخ وأحكام التحديث [1] .
قال: فالحاصل أنه لا غنى بالمجتهد في الشريعة عن بلوغ درجة الاجتهاد في كلام العرب بحيث يصير فهم خطابها له وصفا غير متكلف، ولا متوقف فيه في الغالب إلا بمقدار توقف الفطن لكلام اللبيب».
قلت: انظر قوله: وغالب ما صنف في أصول الفقه من الفنون إنما هو من المطالب العربية.
وما تقدم عن «الزمخشري» : «أن الكلام في معظم أبواب أصول الفقه ومسائلها مبني على علم الإعراب» . فإن ذلك مناف لقول المازري في «شرح البرهان» [2] : «أن العربية لا تكون مادة في جميع أصول الفقه، وإنما تكون مادة لنوع منه، وهو الخطاب وما يتعلق به، لأن من أصول الفقه، الكلام في أحكام
(1) في الموافقات: 4/ 118: الحديث.
(2) وقد سماه: «إيضاح المحصول من برهان الأصول» وهو شرح ممتع في أجزاء عديدة على «برهان» إمام الحرمين، وهو من أهم ما صنف في علم الأصول وأقدم ما شرح به هو تأليف المازري هذا، ومنه أجزاء متفرقة في مكتبات تونس وغيرها. انظر: هذا التعليق في كتاب «الإمام المازري» لحسن حسني عبد الوهاب» ص: 62.