إلى ما عند الله ، يرى الدنيا وما فيها كالظل له ، ويرى اختيار العباد من قضاء الله كالصورة المنطبعة في المرآة ، وذلك يعد له - لانكشاف ما هنالك من التدبير الوحداني ، ولو في المعاد - أتم إعداد ، وقد نبه صلى الله عليه وسلم على عظم أمره من بين أنواع البر حيث قال: ' من لم يؤمن بالقدر خيره وشره ، فأنا برئ منه ' وقال صلى الله عليه وسلم: ' لا يؤمن عبد حتى يؤمن بالقدر خيره وشره ، وحتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه ، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه ' . واعلم أن الله تعالى شمل علمه الأزلي الذاتي كل ما وجد ، أو سيوجد من الحوادث ، محال أن يتخلف علمه عن شيء أو يتحقق غير ما علم ، فيكون جهلا لا علما ، وهذه مسألة شمول العلم ، وليست بمسألة القدر ولا يخالف فيها فرقة من الفرق الإسلامية ، إنما القدر الذي دلت عليه الأحاديث المستفيضة ، ومضى عليه السلف الصالح ، ولم يوفق له إلا المحققون ، ويتجه عليه السؤال بأنه متدافع مع التكليف ، وأنه فيم العمل - هو القدر الملزم الذي يوجب الحوادث قبل وجودها ، فيوجد بذلك الإيجاب ، لا يدفعه هرب ، ولا تنفع منه حيلة ، وقد وقع ذلك خمس مرات . فأولها: أنه أجمع في الأزل أن يوجد العالم على أحسن وجه ممكن مراعيا للمصالح ، مؤثرا لما هو الخير النسبي حين وجوده ، وكان علم الله ينتهي إلى تعيين صورة واحدة من الصور لا يشاركها غيرها ، فكانت الحوادث سلسلة مترتبة ، مجتمعا وجودها ، لا تصدق على كثيرين ، فإرادة إيجاد العالم ممن لا تخفى عليه خافية هو بعينه تخصيص صورة وجوده إلى آخر ما ينجر إليه الأمر . وثانيها: أنه قدر المقادير ، ويروى أنه كتب مقادير الخلائق كلها ، والمعنى واحد قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ، وذلك أنه خلق