بنهج طبيعي ، وذلك أن تطمئن نفوسهم بعادة وخصلة ، وتصير من المشهورات الذائعة التي تلحق بالبديهيات الأولية ، ولا تقبل التشكيك ، فعند ذلك تظهر رحمة الله في صورة أشياء تستوجبها نفوسهم وعلومهم الذائعة فيما بينهم ، فيقبلونها ويكشف الغطاء عن حقيقتها ، وتبلغ الدعوة الأدانى والأقاصى على السواء ، فعند ذلك يكتب عليهم تعظيمها ، ويكون الأمر بمنزلة الحالف باسم الله يضمر في نفسه التفريط في حق الله إن حنث ، فيؤاخذ بما يضمر ، وكذلك هؤلاء يشتهر فيما بينهم أمور تنقاد لها علومهم ، فيوجب انقياد علومهم ، لها ألا تظهر رحمة الله بهم إلا فيما انقادوا له ، إذ مبنى التدبير على الأسهل فالأسهل ، ويوجب أيضا أن يؤاخذوا أنفسهم بأقصى ما عندهم من التعظيم لأن كمالهم هو التعظيم الذي لا يشوبه إهمال ، وما أوجب الله تعالى شيئا على عباده لفائدة ترجع إليه تعالى عن ذلك علوا كبيرا ، بل لفائدة ترجع إليهم ، وكانوا بحيث لا يكملون إلا بالتعظيم الأقصى ، فأخذوا بما عندهم ، وأمروا ألا يفرطوا في جنب الله ، وليس المقصود بالذات في العناية التشريعية حال فرد بل حال جماعة كأنها كل الناس ، ولله الحجة البالغة . ومعظم شعار الله أربعة: القرآن ، والكعبة ، والنبي ، والصلاة . أما القرآن فكان الناس شاع فيما بينهم رسائل الملوك إلى رعاياهم ، وكان تعظيمهم للملوك مساوقا لتعظيمهم للرسائل ، وشاع صحف الأنبياء ومصنفات غيرهم ، وكان تمذهبهم لمذاهبهم مساوقا لتعظيم تلك الكتب وتلاوتها ، وكان الانقياد للعلوم وتلقيها على مر الدهور بدون كتاب يتلى ، ويروى ، كالمحال بادي الرأي ، فاستوجب الناس عند ذلك أن تظهر رحمة الله في صورة كتاب نازل من رب العالمين ، ووجب تعظيمه ، فمنه أن يستمعوا له ، وينصتوا إذا قرئ ، ومنه أن يبادروا لأوامره كسجدة التلاوة