التجرد الفوقاني ، والتدبير العام المحيط بالعالم ، فإذا فقدت هذه بقيت مشغولة بنفسها ، أو بما هو مثل نفسها في التقيد كل الشغل لا يقدح حجاب النكرة ، ولا موضع أبرة ، فهذا هو البلاء كل البلاء . والثاني أن يعتقد أن ليس للنفس نشأة غير النشأة الجسدية ، وأنه ليس لها كمال آخر يجب عليها طلبه ، فإن النفس إذا أضمرت ذلك لم يطمح بصرها إلى الكمال أصلا . ولما كان القول بإثبات كمال غير كمال الجسد لا يتأتى من الجمهور إلا بتصور حالة تباين الحالة الحاضرة من كل وجه ، ولولا ذلك لتعارض الكمال المعقول والمحسوس ، فمال إلى المحسوس ، وأهمل المعقول نصب له مظنة هو الإيمان بلقاء الله واليوم الآخر وهو قوله تعالى: ! ( فالذين لا يؤمنون بالآخرة قلوبهم منكرة وهم مستكبرون ) ! وبالجملة فإذا كان الإنسان في هذه المرتبة من الإثم ، فمات ، واضمحلت بهيميته ، وشحت عليه المنافرة من فوقه كل المنافرة بحيث لا يجد سبيلا إلى الخلاص أبدا . والمرتبة الثانية أن يتكبر بكبره البهيمي على ما نصبه الله تعالى لوصول الناس إلى كمالهم ، وقصدت الملأ الأعلى بأقصى هممها إشاعة أمره وتنويه شأنه من الرسل والشرائع ، فينكرها ، ويعاديها ، فإذا مات انعطف جميع هممهم منافرة له ، ومؤذية إياه ، وأحاطت به خطيئته من حيث لم يجد للخروج منه سبيلا ، على أنه لا ينفك هذه الحالة من عدم الوصول إلى كماله ، أو الوصل الذي لا يعتد به ، وهذه المرتبة تخرج الإنسان من ملة نبيه في جميع الشرائع .