فيحفظ شيئا ، ويغيب عنه أشياء ، أو يظن في نفسه أنه الكامل الذي لا يحتاج إلى مكمل ، فيحتاج إلى من ينبهه على جهله . وبالجملة فالناس يحتاجون لا محالة إلى عالم حق العلم تؤمن فلتاته . ولما كانت المدينة مع استبداد العقل المعاشى الذي يوجد عند كثير من الناس بإدراك النظام المصلح لها تضطر إلى رجل عارف بالمصلحة على وجهها يقوم بسياستها ، فما ظنك بأمة عظيمة من الأمم تجمع استعدادات مختلفة جدا في طريقة لا يقبلها بشهادة القلوب إلا الازكياء أهل الفطرة الصافية أو التجريد البالغ ، ولا يهدى إليها إلا الذين هم في أعلى درجة من أصناف النفوس - وقليل ما هم . وكذلك أيضا لما كانت الحدادة والنجارة وأمثالهما لا تتأتى من جمهور الناس بسنن مأثورة عن أسلافهم وأساتذة يهدونهم إليها ، ويحضونهم عليها ، فما ظنك بهذه المطالب الشريفة التي لا يهتدي إليها إلا الموفقون ، ولا يرغب فيها إلا المخلصون . ثم لا بد لهذا العالم أن يثبت على رءوس الاشهاد أنه عالم بالسنة الراشدة ، وأنه معصوم فيما يقوله من الخطأ والاضلال ، ومن أن يدرك حصة من الاصلاح ، ويترك حصة أخرى لا بد منها ، وذلك ينحصر في وجهين: إما أن يكون راويا عن رجل قبله انقطع عنده الكلام لكونهم مجمعين على اعتقاد كماله وعصمته وكون الرواية محفوظة عندهم ، فيمكن له أن يؤاخذهم بما اعتقدوه ، ويحتج عليهم ، ويفحمهم ، أو يكون هو الذي انقطع عنده الكلام ، وأجمعوا عليه . وبالجملة فلا بد للناس من رجل معصوم يقع عليه الإجماع يكون فيهم ، أو تكون الرواية محفوظة عندهم ، وعلمه بحالة الانقياد وتوليد هذه السنن