فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 863

منها ووجوه منافعها ، وعلمه الآثام ووجوه مضارها لا يمكن أن يحصل بالبرهان ، ولا بالعقل المتصرف في المعاش ، ولا بالحس ، بل هي أمور لا يكشف عن حقيقتها إلا الوجدان . فكما أن الجوع والعطش ، وتأثير الدواء المسخن أو المبرد لا يدرك إلا بالوجدان ، فكذلك معرفة ملاءمة الشيء للروح ومباينته لها لا طريق إليها إلا الذوق السليم . وكونه مأمونا عن الخطأ في نفسه إنما يكون بخلق الله علما ضروريا فيه بأن جميع ما أدرك وعلم حق مطابق للواقع بمنزلة ما يقع للمبصر عند الابصار ، فإنه إذا أبصر شيئا لا يحتمل عنده أن تكون عينه مؤفة ، وأن يكون الابصار على خلاف الواقع ، وبمنزلة العلم بالموضوعات اللغوية ، فإن العربي مثلا لا يشك أن الماء موضوع لهذا العنصر ، ولفظ الأرض لذلك مع أنه لم يقم له على ذلك برهان ، وليس بينهما ملازمة عقلية ، ومع ذلك فإنه يخلق فيه علم ضروري . وإنما يحصل ذلك في الأكثر بأن يكون لنفسه ملكة جبلية يكون بها تلقي العلم الوجداني على سنن الصواب دائما ، وإن يتتابع الوجدان ، ويتكرر تجربة صدق وجدانه . . ، وعند الناس إنما يكون بأن يصحح عندهم بأدلة كثيرة برهانية أو خطابية أن ما يدعو إليه حق ، وأن سيرته صالحة يبعد منها الكذب ، وأن يروا منه آثار القرب ، كالمعجزات واستجابة الدعوات ، حتى لا يشكوا أن له في التدبير العالي منزلة عظيمة ، وأن نفسه من النفوس القدسية اللاحقة بالملائكة ، وأن مثله حقيق بألا يكذب على الله ، ولا يباشر معصية ، ثم بعد ذلك تحدث أمور تؤلفهم تأليفا عظيما ، وتصيره عندهم أحب من أموالهم وأولادهم والماء الزلال عند العطشان ، فهذا كله لا يتحقق انصباغ أمة من الأمم بالحالة المقصودة بدونه ، ولذلك لم يزل المشغولون بنظائر هذه العبادات يسندون أمرهم إلى من يعتقدون فيه هذه الأمور أصابوا أم أخطأوا ، والله اعلم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت