ومن جعل منهم في لسانه وقلبه نور ، فنفع الناس بصحبته وموعظته ، وانتقل منه إلى حواريين من أصحابه سكينة ونور ، فبلغوا بواسطته مبالغ الكمال ، وكان حثيثا على هدايتهم يسمى هاديا مزكيا . ومن كان أكثر علمة ومعرفة قواعد الملة ومصالحها ، وكان حثيثا على إقامة المندرس منها يسمى إماما . ومن نفث في قلبه أن يخبرهم بالداهية المقدرة عليهم في الدنيا ، أو تفطن بلعن الحق قوما ، فأخبرهم بذلك ، أو جرد من نفسه في بعض أوقاته ، فعرف ما سيكون في القبر والحشر ، فأخبرهم بتلك الأخبار يسمى منذرا . وإذا اقتضت الحكمة الالهية أن يبعث إلى الخلق واحد من المفهمين ، فيجعله سببا لخروج الناس من الظلمات إلى النار ، وفرض الله على عباده أن يسلموا وجوههم وقلوبهم له ، وتأكد في الملأ الأعلى الرضا عمن انقاد له ، وانضم إليه ، واللعن على من خالفه ، وناوأه فأخبر الناس بذلك ، وألزمهم طاعته فهو النبي ، وأعظم الأنبياء شأنا من له نوع آخر من البعثة أيضا ، وذلك أن يكون مراد الله تعالى فيه أن يكون سببا لخروج الناس من الظلمات إلى النور ، وأن يكون قومه خير أمة أخرجت للناس ، فيكون بعثه يتناول بعثا آخر . وإلى الأول وقعت الاشارة في قوله تعالى: ! ( هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم ) ! الآية وإلى الثاني في قوله تعالى: ! ( كنتم خير أمة أخرجت للناس ) !