نفسه لإدراك ما لم يكن عنده بحساب ، أو بممارسة قواعد الحكمة والكلام وأصول الفقه ونحوها مدة طويلة ، فالأنبياء لم يخاطبوا الناس إلا على منهاج إدراكهم الساذج المودع فيهم بأصل الخلقة ، ولم يلتفتوا إلى ما يكون نادر الأسباب قلما يتفق وجودها ، فلذلك لم يكلفوا الناس أن يعرفوا ربهم بالتجليات والمشاهدات ، ولا بالبراهين والقياسات ، ولا أن يعرفوه منزها عن جميع الجهات ، فان ذلك كالممتنع بالإضافة إلى من لم يشتغل بالرياضات ، ولم يخالط المعقوليين مدة طويلة ، ولم يرشدوهم إلى طريق الاستنباط والاستدلالات ووجوه الاستحسانات ، والفرق بين الأشباه والنظائر بمقدمات دقيقة المأخذ ، وسائر ما يتطاول به أصحاب الرأي على أهل الحديث . ومن سيرتهم ألا يشتغلوا بما لا يتعلق بتهذيب النفس وسياسة الأمة كبيان أسباب حوادث الجو من المطر والكسوف والهالة وعجائب النبات والحيوان ومقادير سير الشمس والقمر وأسباب الحوادث اليومية وقصص الأنبياء والملوك والبلدان ونحوها اللهم إلا كلمات يسيرة ألفها أسماعهم ، وقبلها عقولهم يؤتى بها في التذكير بآلاء الله والتذكير بأيام الله على سبيل الاستطراد بكلام إجمالي يسامح في مثله بإيراد الاستعارات وبالمجازات ، ولهذا الأصل لما سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن لمية نقصان القمر وزيادته أعرض الله تعالى عن ذلك إلى بيان فوائد الشهور فقال: ! ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) ! وترى كثيرًا من الناس فسد ذوقهم بسبب الألفة بهذه الفنون أو غيرها من الأسباب ، فحملوا كلام الرسل على غير محمله ، والله اعلم .