وقول النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة التراويح ' ما زال بكم الذي رأيت من صنيعكم حتى خشيت أن يكتب عليكم ، ولو كتب عليكم ما قمتم به ، فصلوها أيها الناس في بيوتكم ' فكبحهم النبي صلى الله عليه وسلم عن جعلها شائعا ذائعا بينهم لئلا تصير من شعائر الدين ، فيعتقدوا تركها تفريطا في جنب الله ، فتفرض عليهم . وقوله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' أعظم المسلمين في المسلمين جرما من سأل عن شيء ، فحرم لأجل مسألته ' . وقوله [ صلى الله عليه وسلم ] : ' إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة ' . وقوله صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الحج ' أهو في كل عام لو قلت نعم لوجبت ، ولو وجبت لم تقوموا بها ، ولو لم تقوموا بها عذبتم ' . واعلم أنه إنما اختلفت شرائع الأنبياء عليهم السلام لأسباب ومصالح ، وذلك أن شعائر الله إنما كانت شعائر لمعدات وأن المقادير يلاحظ في شرعها حال المكلفين وعاداتهم . فلما كانت أمزجة قوم نوح عليه السلام في غاية القوة والشدة كما نبه عليه الحق تعالى - استوجبوا أن يؤمروا بدوام الصيام ؛ ليقاوم سورة بهيميتهم ، ولما كانت أمزجة هذه الأمة ضعيفة نهوا عن ذلك ، وكذلك لم يجعل الله تعالى الغنائم حلالا للأولين ، وأحلها لنا لما رأى ضعفنا ، وأن مراد الأنبياء عليهم السلام إصلاح ما عندهم من الارتفاقات ، فلا يعدل عنها إلى ما يباين المألوف إلا ما شاء الله ، وأن مظان المصالح تختلف باختلاف الأعصار والعادات ، ولذلك صح وقوع النسخ ، وإنما مثله كمثل الطبيب يعمد إلى حفظ المزاج المعتدل في جميع الأحوال ، فتختلف أحكامه باختلاف الأشخاص والزمان ، فيأمر الشاب بما لا يأمر به الشائب ، ويأمر في الصيف