فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 863

ما خلقه الله لنشء العجل ونموه إلى فك بنيته وحل تركيبه كان راسخا في اليهود متجاريا فيهم ، وكان العرب أبعد خلق الله عن هذا العلم حتى لو ألقى عليهم لما فهموه ، ولما أدركوا المناط المناسب للحكم ، والمعتبر في نزول الشرائع ليس العلوم والحالات والعقائد المتمثلة في صدورهم فقط ، بل أعظمها اعتبارا ، وأولاها اعتدادا ما نشأوا عليه واندفعت عقولهم إليه من حيث يعلمون ومن حيث لا يعلمون ، كما ترى ذلك في علاقات تمثل شيء بصورة غيره كتمثل منع الناس عن السحور في صورة الختم على الأفواه ، فان الختم شبح المنع عند القوم استحضروه أم لا . وحق الله على عباده في الأصل أن يعظموه غاية التعظيم ، ولا يقدموا على مخالفة أمره بوجه من الوجوه ، والواجب فيما بين الناس أن يقيموا مصلحة التأليف والتعاون ، ولا يؤذى أحد أحدا إلا إذا أمر به الرأى الكلي ونحو ذلك ، ولذلك كان الذي وقع على امرأة يعلم أنها أجنبية - قد أرخى بينه وبين الله حجاب ، وكتب ذلك من اجترائه على الله ، وإن كانت امرأته في الحقيقة لأنه أقدم على مخالفة أمر الله وحكمه ، والذي وقع على أجنبية وهو يعلم أنها امرأته لا يألوا في ذلك معذورا فيما بينه وبين الله ، وكان الذي نذر الصوم ماخوذا بنذره دون من لم ينذر ، وكان من تشدد في الدين شدد عليه ، وكانت لطمة اليتيم للتاديب حسنة ، وللتعذيب سيئة ، وكان المخطئ والناسى معفوا عنهما في كثير من الأحكام ، فهذا الأصل يتلقاه علوم القوم وعاداتهم الكامنة منها والبارزة ، فيتشخص الشرائع في حقهم حسب ذلك . واعلم أن كثيرا من العادات والعلوم الكامنة يتفق فيها العرب والعجم وجمع سكان الأقاليم المعتدلة وأهل الأمزجة القابلة للأخلاق الفاضلة . كالحزن لميتهم واستحباب الرفق به . وكالفخر بالأحساب والأنساب .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت