ونقب السد ، ونجا بنفسه وأهلك أهل مدينته ، ولكن الكلام فيما يرجع إلى نفسه من إحاطة السيئات بها أو إحاطة الحسنات . فذهب أهل الملل قاطبة إلى أنها توجب الثواب والعذاب بنفسها ، فالمحققون منهم والراسخون في العلم والحواريون من أصحاب الأنبياء عليهم السلام يدركون مع ذلك وجه المناسبة والارتباط لتلك الأشباح والقوالب بأصولها وأرواحها ، وعامة حملة الدين ووعاة الشرائع يكتفون بالأول ، وذهب فلاسفة الإسلام إلى أن العذاب والثواب إنما يكونان على الصفات النفسانية والأخلاق المتشبثة بذيل الروح ، وإنما ذكر قوالبها وأشباحها في الشرائع تفهيما وتقريبا للمعاني الدقيقة إلى أذهان الناس ، هذا تحرير المقام على مشرب القوم . أقول: والحق ما ذهب إليه المحققون من أهل الملل - بيان ذلك أن الشرائع لها معدات وأسباب تشخصها ، وترجح بعض محتملاتها على بعض ، والحق يعلم أن القوم لا يستطيعون العمل بالدين إلا بتلك الشرائع والمناهج ، ويعلم أن هذه الأوضاع هي التي يليق أن تكون عليهم ، فتندرج في عناية الحق بالقوم أزلا ، ثم لما تهيأ العالم لفيضان صور الشرائع وإيجاد شخوصها المثالية ، فاوجدها وأفاضها ، وتقرر هنالك أمرها - كانت أصلا من الأصول ، ثم لما فتح الله على الملأ الأعلى هذا العلم ، وألهمهم أن المظنات قائمة مقام الأصول ، وأنها أشباحها وتماثيلها ، وأنه لا يمكن تكليف القوم إلا بتلك - حصل في حظيرة القدس إجماع ما على أنها هي بمنزلة اللفظ بالنسبة إلى الحقيقة الموضوع لها ، والصورة الذهنية بالنسبة إلى الحقيقة الخارجية المنتزعة منها ، والصورة التصويرية بالنسبة إلى من انتقشت مكشافا له ، والصورة الخطية بالنسبة إلى الألفاظ الموضوعة هي لها ، فإنه في كل ذلك لما قويت العلاقة بين الدال والمدلول ، وحصل بينهما تلازم وتعانق أجمع في حيز ما من الأحياز أنه هو ، ثم ترشح شبح هذا العلم أو حقيقته في مدركات