من التسلل ونحو ذلك ، ولها محال ولوازم يتعلقان بها بالغرض ، وينسبان إليها توسعا ، نظيره ما يقال من أن علة الشفاء تناول الدواء ، وإنما العلة في الحقيقة نضج الأخلاط أو إخراجها وهو شيء يعقب الدواء في العادة ، وليس هو هو ، ويقال علة الحمى قد تكون الجلوس في الشمس ، وقد تكون الحركة المنعبة ، وقد تكون تناول غذاء حار ، والعلة في الحقيقة سخونة الأخلاط ، وهي واحدة في ذاتها ولكنها طرق إليها وأشباح لها ، وكان الاكتفاء بالأصول وترك اعتبار تعدد الطرق والمحال لسان المتعقمين في الفنون النظرية دون العامة ، وإنما نزل الشرع بلسان الجمهور ، ويجب أن يكون علة الحكم صفة يعرفها الجمهور ولا تخفى عليهم حقيقتها ولا وجودها من عدمها ، ويكون مظنة لأصل من الأصول التي تعلق بها الرضا والسخط إما لكونها مفضية إليه ، أو مجاورة له ، ونحو ذلك كشرب الخمر فإنه مظنة لمفاسد يتعلق بها السخط من الإعراض عن الإحسان والإخلاد إلى الأرض وإفساد نظام المدينة والمنزل ، وكان لازما لها غالبا ، فتوجه المنع إلى نوع الخمر . وإذا كان لشيء لوازم وطرق لم يخص للعلية منها إلا ما تميز من سائر ما هنالك برجحان من جهة الظهور والانضباط أو من جهة لزوم الأصل أو نحو ذلك كرخصة القصر والإفطار - أديرت على السفر والمرض دون سائر مظنات الحرج ؛ لأن الأكساب الشاقة كالفلاحة والحدادة وإن كان يلزمها الحرج لكنها مخلة بالطاعة لأن المكتسب بها يداوم عليها ، ويتوقف عليها معاشه وأما وجود الحر والبرد فغير منضبط لأن لهما مراتب مختلفة يعسر إحصاؤها وتعيين شيء منها بأمارات وعلامات ، وإنما يعتبر عند السبر مظنات كانت في الأمة الأولى أكثرية معروفة ، وكان السفر والمرض بحيث لا يشتبه عليهم الأمر فيهما ، وإن كان اليوم بعض الاشتباه لانقراض العرب الأول وتعمق الناس في الاحتمالات حتى فسد ذوقهم السليم الذي يجده قح العرب ، والله أعلم .