ومنها أن الشارع أمر بأنواع البر من الوضوء والغسل والصلاة والزكاة والصوم والحج وغيرها ، ولم يتركها مفوضة إلى عقولهم ، بل ضبطها بالأركان والشروط والآداب ونحوها ، ثم لم يضبط الأركان والشروط والآداب كثير ضبط ، بل تركها مفوضة إلى عقولهم وإلى ما يفهمونه من تلك الألفاظ ، وما يعتادونه في ذلك الباب ، فبين مثلا أنه لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب ، ولم يبين مخارج الحروف التي تتوقف عليها صحة قراءة الفاتحة وتشديداتها وحركاتها وسكناتها ، وبين أن استقبال القبلة شرط في الصلاة ، ولم يبين قانونا نعرف به استقبالها ، وبين أن نصاب الزكاة مائتا درهم ، ولم يبين أن الدرهم ما وزنه ، وحيث سئل عن مثل ذلك لم يزد على ما عندهم ، ولم يأتهم بما لا يجدونه في عاداتهم ، فقال في مسألة هلال شهر رمضان ' فإذا غم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين ' وقال في الماء يكون في فلاة من الأرض ترده السباع والبهائم ' إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا ' وأصله معتاد فيهم كما بينا . والسر في ذلك أن كل شيء منها لا يمكن أن يبين إلا بحقائق مثلها في الظهور والخفاء وعدم الانضباط ، فيحتاج أيضا إلى البيان وهلم جرا ، وذلك حرج عظيم من حيث أن كل توقيت تضييق عليهم في الجملة ، فإذا كثرت التوقيتات ضاق المجال كل الضيق ، ومن حيث أن الشرع يكلف به الأدانى والأقاصي كلهم ، وفي حفظ تلك الحدود على تفصيلها حرج شديد ، وأيضا والناس إذا اعتنوا باقامة ما ضبط به البر اعتناء شديدًا لم يحسوا بفوائد البر ، ولم يتوجهوا إلى أرواحها كما ترى كثيرا من المجودين لا يتدبرون معنى القرآن لاشتغال بالهم بالالفاظ ، فلا أوفق بالمصلحة من أن يفوض إليهم الأمر بعد أصل الضبط ، والله أعلم .