فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 863

وكل هذه الإلهامات تترشح عليه من جانب بارئها من كوة الصورة النوعية ، ومثلها كمثل تخاطيط الأزهار ، وطعوم الثمرات في تشابكها مع الصورة النوعية ، ومن أحكام النوع ما يعم الأفراد ، ومنها ما لا يوجد إلا في البعض حيث تستعد المادة ، وتتفق الأسباب ، وإن كان أصل الاستعداد يعم الكل ، كاليعسوب من بين النحل ، والببغاء يتعلم محاكاة أصوات الناس بعد تعليم وتمرين ، ثم أنظر إلى نوع الإنسان تجد له ما وجدت في الأشجار ، وما وجدت في أصناف الحيوان كالسعال والتمطي والجشاء ودفع الفضلات ومص الثدي في أول نشأته ، وتجد مع ذلك فيه خواص يمتاز بها من سائر الحيوان: منها النطق ، وفهم الخطاب ، وتوليد العلوم الكسبية من ترتيب المقدمات البديهية ، أو من التجربة والاستقراء والحدس ومن الاهتمام بأمور يستحسنها بعقله ، ولا يجدها بحسه ، ولا وهمه ، كتهذيب النفس ، وتسخير الأقاليم تحت حكمه ، ولذلك يتوارد على أصول هذه الأمور جميع الأمم حتى سكان شواهق الجبال ، وما ذلك إلا لسر ناشئ من جذر صورته النوعية ، وذلك السر أن مزاج الإنسان يقتضي أن يكون عقله قاهرا على قلبه ، وقلبه قاهرا على نفسه . ثم انظر إلى تدبير الحق لكل نوع ، وتربيته إياه ، ولطفه به ، فلما كان النبات لا يحس ، ولا يتحرك جعل له عروقا تمص المادة المجتمعة من الماء والهواء ولطيف التراب ، ثم يفرقها في الأغصان وغيرها على تقسيم تعطيه الصورة النوعية ، ولما كان الحيوان حساسا متحركا بالإرادة لم يجعل له عروقا تمص المادة من الأرض ، بل ألهمه طلب الحبوب والحشيش والماء من مظانها ، وألهمه جميع ما يحتاج إليه من الارتفاقات ، والنوع الذي لا يتكون من الأرض تكون الديدان منها دبر الله تعالى له بأن أودع فيه قوى التناسل ،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت