فهرس الكتاب

الصفحة 223 من 863

ويمتنعون من الزنا وشرب الخمر خوفا من الله وخوفا من الناس أو لا يستطيعون اتباع العشيقات ولا بذل الأموال في الملاهي ، فيقبل منهم ذلك بشرط أن تضعف قلوبهم عن الإخلاص الصرف ، وأن تتمسك نفوسهم بالأعمال أنفسها لا بما هي شروح للملكات . وكان في الحكمة الأولى - إن من الحياء خيرا ومنه ضعفا - فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ' الحياء خير كله ' ينبه على ما ذكرنا ، وكثير منهم يبرق عليهم بارقة ملكية في أوقات يسيرة ، فلا يكون ملكة لهم ، ولا يكونون أجنبيين عنها كالمستغفرين اللوامين أنفسهم ، وكالذي يذكر الله خاليا وفاضت عيناه ، وكالذي لا تمسك نفسه الشر لضعف في جبلته إنما قلبه كقلب الطير أو لتحلل طارئ على مزاجه كالمبطون وأهل المصائب كفرت بلاياهم خطاياهم . وبالجملة فأصحاب اليمين فقدوا إحدى خصلتي السابقين ، وحصلوا الأخرى ، وبعدهم جماعة تسمى بأصحاب الأعراف وهم جنسان: قوم صحت أمزجتهم ، وزكت فطرتهم ، ولم تبلغهم الدعوة الإسلامية أصلا أو بلغتهم ، ولكن بنحو لا تقوم به الحجة ، ولا تزول به الشبهة فنشأوا غير منهمكين في الملكات الخسيسة والأعمال المردية ولا ملتفتين إلى جناب الحق لا نفيا ، ولا إثباتا ، كان أكثر أمرهم الاشتغال بالارتفاقات العاجلة ، فأولئك إذا ماتوا رجعوا إلى حالة عمياء لا إلى عذاب ، ولا إلى ثواب حتى تنفسخ بهيمتهم ، فيبرق عليهم شيء من بوارق الملكية . وقوم نقصت عقولهم كأكثر الصبيان والمعتوهين والفلاحين والأرقاء ، وكثير يزعمهم الناس أنهم لا بأس بهم ، وإذا نقح حالهم عن الرسوم بقوا لا عقل لهم ، فأولئك يكتفي من إيمانهم بمثل ما اكتفى رسول الله صلى الله عليه وسلم من الجارية السوداء سألها ' أين الله ' فأشارت إلى السماء ، إنما يراد منهم أن يتشبهوا بالمسلمين لئلا تتفرق الكلمة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت