فان الرضا يتعلق هناك بالمقادير أنفسها ، . . . تفصيل ذلك أن من ترك صلاة وقت كان آثما وإن شغل ذلك الوقت بالذكر وسائر الطاعات ، ومن ترك زكاة مفروضة ، وصرف أكثر من ذلك المال في وجوه الخير كان آثما ، وكذلك إن لبس الحرير والذهب في الخلوة حيث لا يتصور كسر قلوب الفقراء وحمل الناس على الإكثار من الدنيا ولم يقصد به الترفه - كان آثما وكذلك إن شرب الخمر بنية التداوي ، ولم يكن هناك فساد ، ولا ترك صلاة كان آثما لأن الرضا والسخط متعلقان فأنفس هذه الأشياء ، وإن كان الغرض الأصلي كبحهم عن الفساد وحملهم على المصالح ، ولكن الحق علم أن سياسة الأمة لا تمكن في هذا الوقت إلا بايجاب أنفس هذه الأشياء وتحريمها فتوجه الرضا والسخط إلى أنفسها ، وكتب ذلك في الملأ الأعلى بخلاف ما إذا لبس الصوف الرفيع الذي هو أعلى وأغلى من الحرير ، واستعمل أواني الياقوت فإنه لا يأثم بنفس هذا الفعل ، ولكن إن تحقق كسر قلوب الفقراء وحمل الناس على فعل ذلك أو قصد الترفه بعد من الرحمة لأجل تلك المفاسد وإلا فلا ، وحيث وجدت الصحابة والتابعين فعلوا ما يشبه التقدير ، فانما مرادهم بيان المصلحة والترغيب فيها ، والمفسدة والترهيب عنها ، وإنما أخرجوا تلك الصورة مخرج المثل لا يقصدون إليها بالخصوص ، وإنما يقصدون إلى المعاني وإن اشتبه الأمر بادي الرأي ، وحيث جوز الشرع استبدال مقدار بقيمته كبنت المخاص بقيمتها على قول فعلى التسليم هو أيضا نوع من التقدير ، وذلك لأن التقدير لا يمكن الاستقصاء فيه بحيث يفضي إلى التضييق ، ولكن ربما يقدر بأمر ينطبق على أمور كثيرة كبنت المخاض نفسها فانها ربما كانت بنت مخاض آرفه من بنت مخاض ، وربما كان التقدير بالقيمة تقديرًا بحد معلوم في الجملة كتقدير نصاب القطع بما يكون قيمته ربع دينار أو ثلاثة دراهم .