أولهم أبو عبد الله البخاري وكان غرضه تجريد الأحاديث الصحاح المستفيضة المتصلة من غيرها ، واستنباط الفقه والسيرة والتفسير منها ، فصنف جامعه الصحيح ، ووفى بما شرط ، وبلغنا أن رجل من الصالحين رأى رسول صلى الله عليه وسلم في منامه وهو يقول: مالك اشتغلت بفقه محمد بن إدريس وتركت كتابي ، قال: يا رسول الله وما كتابك ؟ قال: صحيح البخاري ولعمري أنه نال من الشهرة والقبول درجة لا يرام فوقها . و ثانيهم مسلم النيسابوري ، توخى تجريد الصحاح المجمع عليها بين المحدثين المتصلة المرفوعة مما يستنبط منه السنة ، وأراد تقريبها إلى الأذهان وتسهيل الاستنباط منها ، فرتب ترتيبا جيدا ، وجمع طرق كل حديث في موضع واحد ، ليتضح اختلاف المتون ، وتشعب الاسانيد أصرح ما يكون وجمع بين المختلفات فلم يدع لمن له معرفة لسان العرب عذرا في الأعراض عن السنة إلى غيرها . وثالثهم أبو داود السجستاني ، وكان همته جمع الأحاديث التي استدل بها الفقهاء ، ودارت فيهم ، وبنى عليها الأحكام علماء الأمصار ، فصنف سننه ، وجمع فيها الصحاح والحسن واللين والصالح للعمل ، قال أبو داود: ما ذكرت في كتابي حديثا أجمع الناس على تركه ، وما كان منها ضعيفا صرح بضعفه ، وما كان فيه علة بينها بوجه يعرفه الخائض في هذا الشأن ، وترجم على كل حدث بما قد استنبط منه عالم ، وذهب إليه ذاهب ، ولذلك صرح الغزالي وغيره بأن كتابه كاف للمجتهد . ورابعهم أبو عيسى الترمذي ، وكأنه استحسن طريقة الشيخين حيث بينا وما أبهما ، وطريقة أبي داود حيث جمع كل ما ذهب إليه ذاهب ، مجمع كلتا الطريقتين وزاد عليها بيان مذاهب الصحابة والتابعين وفقهاء الأمصار