فهرس الكتاب

الصفحة 304 من 863

فلم يبح الله تعالى الرد عند التنازع إلى أحددون القرآن والسنة ، وحرم بذلك الرد عند التنازع إلى قول قائل لأنه غير القرآن والسنة ، وقد صح إجماع الصحابة كلهم أولهم عن آخرهم وإجماع التابعين أولهم عن آخرهم على الامتناع والمنع من أن يقصد منهم أحد إلى قول إنسان منهم أو ممن قبلهم ، فيأخذه كلهم ، فليعلم من أخذ بجميع أقوال أبي حنيفة ، أو جميع أقوال مالك ، أو جميع أقوال الشافعي ، أو جميع أقوال أحمد رضي الله عنهم ، ولم يترك قول من اتبع منهم أو من غيرهم إلى قول غيره ، ولم يعتمد على ما جاء في القرآن والسنة غير صارف ذلك إلى قول إنسان بعينه - أنه قد خالف إجماع الأمة كلها أولها عن آخرها بيقين لا إشكال فيه وأنه لا يجد لنفسه سلفا ، ولا إنسانا في جميع الأعصار المحمودة الثلاثة ، فقد اتبع غير سبيل المؤمنين نعوذ بالله من هذه المنزلة . وأيضا فإن هؤلاء الفقهاء كلهم قد نهوا عن تقليد غيرهم ، فقد خالفهم من قلدهم ، وأيضا فما الذي جعل رجلا من هؤلاء أو من غيرهم أولى أن يقلد من عمر بن الخطاب أو علي بن أبي طالب أو ابن مسعود أو ابن عمر أو ابن عباس أو عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنهم ، فلو ساغ التقليد لكان كل واحد من هؤلاء أحق بأن يتبع من غيره انتهى ، إنما يتم فيمن له ضرب من الاجتهاد ولو في مسألة واحدة ، وفيمن ظهر عليه ظهورا بيننا أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بكذا ، ونهى عن كذا ، وأنه ليس بمنسوخ إما بأن يتتبع الأحاديث وأقوال المخالف والموافق في المسألة ، فلا يجد لها نسخا ، أو بأن يرى جمعا غفيرا من المتبحرين في العلم يذهبون إليه ، ويرى المخالف له لا يحتج إلا بقياس أو استنباط أو نحو ذلك ، فحينئذ لا سبب لمخالفة حديث النبي صلى الله عليه وسلم إلا نفاق خفي ، أو حمق جلي . وهذا هو الذي أشار إليه الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت