ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ، وهو مع ذلك يقلده فيه ، ويترك من شهد الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبهم جمودا على تقليد إمامه ، بل يتخيل لدفع ظاهر الكتاب والسنة ، ويتأولها بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده . وقال: لم يزال الناس يسألون من اتفق من العلماء من غير تقييد لمذهب ولا إنكار على أحد من السائلين إلى أن ظهرت هذه المذاهب ومتعصبوها من المقلدين ، فإن أحدهم يتبع إمامه مع بعد مذهبه عن الأدلة مقلدا له فيما قال كأنه نبيا أرسل ، وهذا نأي عن الحق ، وبعد عن الصواب لا يرضى به أحد من أولى الألباب . وقال الإمام أبو شامة: ينبغي لمن اشتغل بالفقه ألا يقتصر على مذهب إمام ، ويعتقد في كل مسألة صحة ما كان أقرب إلى دلالة الكتاب والسنة المحكمة ، وذلك سهل عليه إذا كان أتقن معظم العلوم المتقدمة ، وليجتنب التعصب والنظر في طرائق الخلاف المتأخرة ، فإنها مضيعة للزمان ولصفوة مكدرة ، فقد صح عن الشافعي أنه نهى عن تقليده وتقليد غيره . قال صاحبه المزني في أول مختصره: اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله: لأقرب به على من أراد مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره ، لينظر فيه لدينه ، ويحتاط لنفسه: أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي نهى الشافعي عن تقليده وتقليد غيره انتهى . وفيمن يكون عاميًا ، ويقلد رجلًا من الفقهاء بعينه يرى أنه يمتنع من مثله الخطأ ، وأن ما قاله هو الصواب ألبتة ، وأضمر في قلبه ألا يترك تقليده