فهرس الكتاب

الصفحة 318 من 863

بالقياس . ويرشدك أيضا اختلافهم في كثير من التخريجات أخذا من صنائعهم ورد بعضهم على بعض . ومنها أني وجدت أن بعضهم يزعم أن هنالك فرقتين لا ثالث لهما ، أهل الظاهر ، وأهل الرأي ، وأن كل من قاس ، واستنبط فهو من أهل الرأي - كلا والله - بل ليس المراد بالرأي نفس الفهم والعقل ، فإن ذلك لا ينفك من أحد من العلماء ، ولا الرأي الذي لا يعتمد على سنة أصلا ، فانه لا ينتحله مسلم ألبتة ، ولا القدرة على الاستنباط والقياس ، فان أحمد وإسحق بل الشافعي أيضا ليسوا من أهل الرأي بالاتفاق ، وهم يستنبطون ويقيسون ، بل المراد من أهل الرأي قوم توجهوا بعد المسائل المجمع عليها بين المسلمين ، أو بين جمهورهم إلى التخريج على أصل رجل من المتقدمين ، فكان أكثر أمرهم حمل النظير على النظير ، والرد إلى أصل من الأصول دون تتبع الأحاديث والآثار ، والظاهري من لا يقول بالقياس ، ولا بآثار الصاحبة والتابعين كدواد وابن حزم ، وبينهما المحققون من أهل السنة كأحمد وإسحاق ، ولقد أطنبنا الكلام في هذا المقام غاية الاطناب حتى خرجنا من الفن الذي وضعنا فيه هذا الكتاب ، وليس ذلك لي بخلق وديدن ، وإنما كان ذلك بوجهين: أحدهما أن الله تعالى جعل في قلبي وقتا من الأوقات ميزانا أعرف به سبب كل اختلاف وقع في الملة المحمدية على صاحبها الصلاة والسلام ، وما هو الحق عند الله وعند رسوله ، ومكنني من أن أثبت ذلك بالدلائل العقلية والنقلية بحيث لا يبقى فيه شبهة ولا إشكال ، فعزمت على تأليف كتاب أسميه ب ( غاية الانصاف في بيان أسباب الاختلاف ) وأبين فيه هذه المطالب بيانا شافيا ، وأكثر فيه من ذكر الشواهد والأمثال والتفريعات مع المحافظة على الاقتصاد بين الإفراط والتفريط في كل مقام والإحاطة بجوانب الكلام وأصول المقصود والمراد ، ثم لم أتفرغ له إلى هذا الحين .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت