فليس مما ذكر ، وإنما جعل القلتين حدا فاصلا بين الكثير والقليل لأمر ضروري لا بد منه ، وليس تحكما ولا جزافا - وكذا سائر المقادير الشرعية - وذلك أن للماء محلين معدن واوان ، أما المعدن فالآبار والعيون ، ويلحق بها الأودية ، أما الأواني فالقرب والقلال والجفان والمخاضب والأداوة ، وكان المعدن يتضررون بتنجسه ، ويقاسون الحرج في نزحه ، وأما الأواني فتملأ في كل يوم ولا حرج في إراقتها ، والمعادن ليس لها غطاء ، ولا يمكن سترها من روث الدواب وولغ السباع ، وأما الأواني فليس في تغطيتها وحفظها كثير حرج اللهم إلا من الطوافين والطوافات ، والمعدن كثير غرير لا يؤثر فيه كثير من النجاسات بخلاف الأواني ، فوجب أن يكون حكم المعدن غير حكم الأواني ، وأن يرخص في المعدن ما لا يرخص في الأواني ، ولا يصلح فارقا بين حد المعدن وحد الأواني إلا القلتان لأن ماء البئر والعين لا يكون أقل من القلتين ألبتة وكل ما دون القلتين من الأودية لا يسمى حوضا ولا جوبة ، وإنما يقال له حفيرة وإذا كان قدر قلتين في مستو من الأرض يكون غالبا سبعة أشبار ، وذلك أدنى الحوض ، وكان أعلى الأواني القلة ولا يعرف أعلى منها عندهم آنية ، وليست القلال سوداء: فقلة عندهم تكون قلة ونصفا ، وقلة وربعا ، وقلة وثلثا ، ولا تعرف قلة تكون كقلتين فهذا حد لا تبلغه الأواني ، ولا ينزل منه المعدن ، فضرب حدا فاصلا بين الكثير والقليل ، ومن يقل بالقلتين اضطر إلى مثلهما في ضبط الماء الكثير - كالمالكية - والرخصة في آبار الفلوات من نحو أبعار الإبل فمن هنا ينبغي أن يعرف الإنسان أمر الحدود الشرعية فإنها نازلة على وجه ضروري لا يجدون منه بدا ، ولا يجوز العقل غيرها . قوله صلى الله عليه وسلم: ' الماء طهور لا ينجسه شيء ' وقوله صلى الله عليه وسلم: ' الماء لا يجنب ' وقوله صلى الله عليه وسلم: ' المؤمن لا ينجس ' ومثله ما في الأخبار من أن البدن لا ينجس والأرض لا تنجس .